الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

الجينوم البشري


إذا نظرت إلى نفسك في المرآة، سترى بشراً، له عينان، ولسان ، وشفتان ، وأنفٌ ، وأذنان ؛ مثل سائر البشر . إنَّك تشبه أقرانك من بني البشر ، ولكنَّك أيضاً تنفرد بصفات مميزة لا يشاركك فيها أحد . 
هل سألتَ نفسَك يوماً : لماذا تُشبه أبويك ؟ ولماذا يُشبه أبواك جدَّيك ؟ هل سألت نفسك يوما : لماذا ينجب الإنسان إنساناً ؟ ولماذا ينجب الجمل جملاً ، والقط قطاً ، والصرصور صرصوراً ؟ هل سألت نفسك يوماً : لماذا لا ينجب الكلب قطاً ، ولماذا لا ينجب القط كلباً ؟ هل تعلم أن بداخل كل خلية في جسدك كتاباً سُطِّر فيه كلُّ ما يتعلَّق بحياتِك ، ومماتك ، وصحتك ، ومرضك ، بل صفاتك ، وهيئتك ؟ 
وقد أطلق العلماء على هذا الكتاب اسم \"الجينوم\" ، فما هو الجينوم ؟
إنه كتاب الحياة ، أو كما يسميه البعض : أطلس الحياة .
والآن هيا بنا ندلف إلى جسم الإنسان ونحاول قراءة هذا الكتاب المعجز. 
يتكون الجسم البشري من عدد كبير من الوحدات أو الخلايا يناهز 100 ترليون خلية \"الترليون كما هو معلوم يساوي ألف مليار\" ، يبلى منها ويولد حوالي 125 مليـون خليـة كل ثانيـة ، ويبقى الإنسان محتفظاً بصفاته ، وشخصيته ، وذاكرته ،....... .
وتتكون كل خلية من مادة هلامية تسمى السيتوبلازم ، يحيط بها غشاء رقيق ، ويتوسطها نواة، وتحتوي نواة كل خلية على شبكة من الخيوط الملتفة ، تسمى \"الصبغيات\" أو \"الكروموسومات\"، وتحتوي الخلية الواحدة على 46 كروموسوم ، في أزواج ؛ (أي 23 زوج من هذه الكروموسومات) ؛ 22 زوج منها مسئولة عن تكرار نفسها باستمرار لبناء الجسم ، وتسمى \"الكروموسومات الجسدية\"، وزوج واحد مسئول عن عملية التحكم في جنس الجنين ذكراً أو أنثى .

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

بين فيل وحمار


المتسابقان الرئيسيان على أهم منصب في أكبر دولة بالعالم، ليسا باراك أوباما وميت رومني فقط، بل المعركة هي أيضا بين فيل وحمار.

الأول يرمز إلى القوة، وهو شعار الحزب الجمهوري. أما الحمار الذي يرمز للصبر والتحمل فشعار الحزب الديمقراطي، أو حزب أوباما الذي سبقه آخر خليفة أموي في الشام بالتنبه قبل أكثر من 1250 عاماً إلى أهمية الحيوان الصبور، فلم يتخذه شعارا فقط بل جعله اسمه بالذات، ليصبح "مروان الحمار" كاختصار لنسبه الطويل.

كان الخليفة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، الذي تولى الخلافة 6 سنوات وسقطت دولة الأمويين بمقتله عام 750 وظهور دولة العباسيين، معجباً بالحمار وبصبره وذكائه وبقدرته على التحمل والتجلد، فاتخذه شعارا وانتسب إليه بالاسم، تماما كما أعجب به القيمون على الحزب الديمقراطي فاتخذوه شعارا بعد 90 عاما من تأسيس الحزب في 1792 على يد توماس جيفرسون وجيمس ماديسون وآخرين من معارضي النزعة "الفيدرالية" في السياسة الأمريكية.

وكتب الكثير عن سبب اختيار الخليفة للقب الذي كان يفاخر به ويصر عليه، ومن هذه الكتابات "أن العرب تسمي كل مئة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مئة سنة لقبوا مروان بالحمار"، وهي معلومة غير صحيحة، بل الأكيد هو ما أجمعوا عليه وراجعته "العربية.نت" من مصادر تقاربت في ذكرها للتفاصيل والأسباب.

ومنها ما رواه داعية سعودي شهير في لقاء تلفزيوني، نسخوا منه فيديو وضعوه على "يوتيوب" بعنوان "د.العريفي وقصة مروان الحمار" وفيه يشرح سببا لم يرد في المصادر التاريخية الموثوقة، إضافة إلى أنه لم يذكر أن مروان الحمار كان خليفة بل "واليا على الأندلس" وهو الذي لم تطأ قدماه أرض الأندلس على الإطلاق، فكان ما رواه قصة من القصص بالتأكيد.

ما أجمع المؤرخون عليه أن الخليفة كان معجبا بالحمار وبأهم صفة فيه "فكان لا يجف له لبد بمحاربة الخارجين عليه، ويصل السير بالسير ويصبر على مكاره الحرب" فكانت إضافته إلى اسمه بهدف تذكير الأعداء بأنه يتحمل كل مشقة لمطاردتهم ومقاتلتهم حتى القضاء عليهم، لكن العكس هو ما حدث تماما، فقد طاردوه من موقع إلى آخر بعد إحدى المعارك حتى ظفروا به في قرية "أبو صير" بالصعيد المصري، وهناك قتلوه.

حمار يرمز للعناد وفيل بذراع الطويلة

كاريكاتير الفيل
كاريكاتير الفيل
أما حمار الحزب الديمقراطي فشيء آخر، وبدأ برسم كاريكاتيري نبه الديمقراطيين لأهمية هذا الحيوان، بعد أن رسمه الفنان الكارتوني الأمريكي توماس ناست لصحيفة "هاربرز ويكلي" تحت عنوان "الحمار سيركل أسدا ميتا" مصورا الحزب في 1870 بالشخصية الحمارية للمرة الأولى.

ويبدو أن ناست تأثر بما قرأه عن مرشح ديمقراطي بانتخابات 1828 الرئاسية فرسم الكاريكاتير بوحي مما قرأ، ولم يكن المرشح سوى آندرو جاكسون، الذي فاز برغم تعرضه لهجمات شرسة من منافسين وصفه بعضهم بالغبي والحمار لمرات ومرات، فتحمل التهجم عليه ولم يرد بمثله، ثم اتخذ هو نفسه الحمار شعارا لحملاته الانتخابية أو لمن كان يؤيدهم.
كاريكاتير الحمار
كاريكاتير الحمار

ولم تمر 12 سنة على الكاريكاتير إلا وأصبح الحمار شعارا للديمقراطيين، وما زال إلى الآن "رمزا للعناد والشرود التأملي والرؤية الواحدة وامتلاك إرادة التغيير عند الرغبة بذلك"، وفق ما قرأت "العربية.نت" مما كتبوه عن الحزب في أرشيفه التاريخي.

أما الحزب الجمهوري الذي تأسس في 1845 كحركة مناهضة للعبودية، فقصة اختياره للفيل قصيرة وخالية مما يثير الفضول تقريبا، وملخصها أن الفنان ناست نفسه كان أيضا وراء الشعار برسمه كاريكاتيرا عنوانه "الصوت الجمهوري" للصحيفة الأسبوعية نفسها، وفي 1870 أيضا.
راسم الكاريكاتورين توماس ناست
راسم الكاريكاتورين توماس ناست

في الكاركاتير نرى فيلا طرح عددا من الحيوانات جانبا وهو في طريقه، كإشارة إلى تحطيم العراقيل أمامه إلى البيت الأبيض، فأعجب القيّمون على الحزب بما يوحي للناخب بالقوة والعزم، واتخذوه شعارا، خصوصا أن خرطومه يعبر عن ذراع طويلة قادرة.. حتى على بلوغ المريخ.

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

أطالع منذ مدة كتاب شيق جدا .. انصح جميع الأصدقاء إلى قرائته


أطالع منذ مدة كتاب شيق جدا .. انصح جميع الأصدقاء إلى قرائته .. فعلا كتاب ممتع وثري وباهر للكاتب المشهور أنيس منصور يحكي فيه قصته أيام كان تلميذ لأكبر أستاذ في الأدب والفلسفة  العقاد ... وما ادراك ما العقاد .. إسمه بالكامل عباس محمود العقاد ... هذا موسوعة على وجه الأرض ... كتب كتب كثيرة أشهرها العبقريات : عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم وعبقرية أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد إبن الوليد ... كتب كتب ومجلدات في كثير من المواضيع ... هاجم الماركسية والشيوعية والبهائية ... وله كتب أيضا ضد الصهيونية ... 
المهم هذا الكتاب لأنيس منصور إسمه " في صالون العقاد  " .. يروي الكثير من القصص والأحداث الذي حدثت في صالون العقاد ... حوارات فلسفية شيقة ... وكذلك في ألدين .. وقد كان العقاد حجة وقوي في الإقناع والتأثير .. وكان صالونه يتردد عليه كل اصناف الفكر .. أي المسلم والمسيحي والشيوعي والبهائي ... واليهود كذالك .. مع العلم أنه إنتقد اليهود كثير ... 
وهناك قصة رواها أنيس منصور ..على عائلة يهودية كبيرة زارته في صالونه وتم حوار جد ساخن .. حتى إعترف أحد أفراد العائلة وقال له فيما قال .. ندفع لك نحن اليهود الأموال التي تريد على أن تكتب كتاب عبقرية موسى عليه السلام ... لكنه رفض ..وكان تفسير رفضه مقنع ... 
حقيقة هناك العديد من القصص والحوارات ثرية وغنية وشيقة ... 
وهناك أمر  أخر زاد في انجذابي إلى إكمال الكتاب مع العلم يحتوي الكتاب على أكثر من 700 صفحة ... 
هنالك أشياء غريبة وممكن أن نقول شاذة نوع ماء في حياة  الأستاذ العقاد ... 
كان هناك عداء واضح بينة وبين طه حسين والمنفلوطي والشاعر أحمد شوقي والكثير من قامات  الأدب والشعر العربي ... ويحكي الأديب أنيس عن هذا العداء والهجوم في المقالات على بعضهم البعض .... صدقني أضحك ومن شدة الضحك حتى تدمع عيناي ... 
على فكرة الأستاذ العقاد لم ينال في حياته أي شهادة جامعية .. لكنه قرأ أكثر من ستين ألف كتاب في كل المواضيع .. ومعروف لدى الجميع ليس في مصر فقط .. بل في الوطن العربي أن هو فيلسوف كبير وأديب متمرس ... والعقاد يكره كل الأدباء المصريين المتأثرين بالمنهج الفرنسي وأولهم الأديب طه حسين ... 
والشيء الثاني  الذي شد استغرابي في العقاد .. هي نظرته السلبية للمرأة .. حتى يكاد أن يكون عدو المرأة .. فقد قال فيها أشياء رهيبة وقبيحة ... لكنه يعترف بأنها مصدر الجمال وهي مخلوق  جميل ... ولعل والأكيد أن نظرته هاذه كانت من مخلفات قصة حب فاشلة عاشها مع أديبة وشاعرة كذلك كانت مشهورة في الوقت نفسه ...  وهي مي زيادة ... 
خلاصة الحديث .. كتاب لذيذ وجميل وفيه قصص واقعية والذي يزيد في شد الانتباه إلى الكتاب أن الشخصيات معروفة لدى العامة .. من طه حسين وشوقي وأكبر المنشطين في التلفزة والاذاعة في ذلك الوقت .... بل وحتى أكبر المقرئين للقرآن وسياسيين واساتذة جامعيين ...

ادعوكم جميعا للقراءة .. حتى لا يقول عنا نحن أمة لا تقرأ .... 

والسلام عليكم ورحمة الله .. في موضوع كتاب آخر بعون الله .. صديقكم لخضر لقمان ...



نفاق وكره كبار مسؤولي فرنسا للإسلام والمسلمين ...


سأحكي لكم عن خبر تناوته الصحافة الفرنسية منذ أيام قليلة : الخبر هو تصريح لرئيس الحزب الاشتراكي (حزب ساركوزي ) وإسمه فرانسو كوبي ... وهذا الرجل أعرفه جيدا .. حاقد على المسلمين وخاصة العرب .. رجل عنصري بامتياز .. . على كل .. آخر حماقة يقولها في مؤتمر صحفي أمام مؤيدي الحزب ... "قال ":
 " هناك مناطق حيث يمكنني أن أفهم الإحباط وسخط   بعض مواطنينا، الأب أو الأم عند عودتهم  من العمل في المساء، يعلمون أنا ابنهم حين خرج من المدرسة  سرق منه أو إختطف منه كرواسون بالشكلاطة من طرف بلطجية بتعلة أننا في شهر رمضان "...المسلمون لا يأكلون فيه  ...  وأترك لكم الفيديو للمشاهدة .. بل وأكثر من ذالك .. الصحفي يسأل الناس الحاضرين عن هاته الحادثة وأكثرهم مصدقين ومؤيدين .. وسترون مدى الكره في أعينهم ضد الاسلام والعرب ....
لكن في المقابل هناك صحافة نوعا ماء حرة ... تهكمت  على هذا التصريح .. أو بالأحرى التخريف  ... وقالو أن رمضان ألسنة جاء في العطلة المدرسية .. أي أن فرانسوا كوبي إختلق القصة ... فقال هذا الأخير كانت ألسنة الفارطة ... وبحكم جهله أن كذلك ألسنة الفارطة جاء في العطلة كذالك .....
*******
خلاصة الحديث .. أن حتى في أكبر دول العالم تقدم وحضارة وديمقراطية .. فمسؤليها اغلبهم أفاكين كذابون .. كارهي الاسلام والعرب خاصة .. وللأسف أرى لهم أذيال هنا في تونس ...
من إعتز بغير الله ذل  ....
هذا رابط مسحوب بالفيديو ...

http://www.france24.com/fr/20121006-france-ump-pains-chocolats-ramadan-cope-reconquete-fn-draguignan

الخميس، 27 سبتمبر 2012

خلق السماء


*** و العجيب أن العلم الحديث يكشف حقائق أغرب من أبعد التصورات و الخيالات و قد كان الناس في الماضي يتعاملون مع أمور على أنها مسلمات ثم جاءت الحقائق العلمية فأثبتت غير ذلك و نسفت بنيانهم من قواعده و سبحان الملك ما كان في زمن من الأزمنة يعتبر من علوم الصفوة ثبت خطئه و أصبح الأطفال في المدارس يعلمون من الحقائق الثابتة ما يزيد عليه بكثير  لذلك فأنا لا أريد أن أضع في هذا التفسير ظنونا و لا أوهاما إنما سأقتصر على بعض الإشارات و التنبيهات ثم النقولات عن علماء مسلمين معاصرين في علوم الدنيا.

أولا : في اللغة العربية يذكر العدد لإرادة التكثير، ويعبرون عنه بأنه عدد لا مفهوم له، وهذا كما تقول لصديقك: زرتك ألف مرة ولم تزرني فأنت لا تريد ألفاً بعدده، وإنما تريد زرتك مرات كثيرة فما ورد من تحديد لأبعاد السماوات و نحوها يحمل على هذا الأمر و لا أعلم ما يخلو سنده من مطعن و لكن على افتراض الصحة و ذلك أن عقول الخلق و علومهم في فترة نزول الوحي كانت لا تطيق معرفة ذلك إلا على وجه الإجمال الذي ذكر لهم و الله أعلم .

و قد يحمل العدد على أنه يقطع بوسائل مواصلات لا نعلمها و لم تكن العقول لتدركها زمان نزول الوحي.

و هناك وجة بعيد و هو ما ذكره علماء الفلك من أن الكون لا يزال في اتساع و تباعد بما يقارب سرعة الضوء فيحتمل أن هذه الأحجام كانت وقت نزول الوحي.

ثانيا: يلاحظ الاختلاف بين الاصطلاحات الفلكية و التي يتربى عليها الأطفال في المدارس فأصبح الصغير و الكبير لا يتبادر إلى ذهنه إلا هى و معاني اللغة العربية التي نزل بها القرآن فلا يشترط أن تكون النجوم المذكورة في القرآن الكريم هي عينها ما اتفق عليه اصطلاح الفيزيائيين حديثاً بأنها ذلك الجرم الكوني الضخم الغازي المضيء بذاته كالشمس بعكس سائر الأجرام المعتمة كالكواكب والأقمار.

و الكوكب لا يلزم أن يكون كالأرض و ليس نجما كالشمس بل لغويا الكوكب ينطبق على  النجم ففي القاموس المحيط: الكَوْكَبُ : النَّجمُ كالكَوْكَبَةِ وبياضٌ في العَيْنِ و قال بن منظور :و قال ابن سيده وغيره الكَوْكَبُ والكَوْكَبةُ النَّجْم كما قالوا عَجوزٌ وعَجوزة وبَياضٌ وبَياضةٌ قال الأَزهري وسمعت غير واحد يقول للزُّهَرة من بين النُّجوم الكَوْكَبةُ يُؤَنثونها وسائرُ الكَواكِب تُذَكَّر فيقال هذا كَوكَبُ كذا وكذا.اه

فأنظر هنا إلى أنهم لم بفرقوا بين النجم و الكوب بالاصطلاح الفلكي بل عدوا كل منهما كوكبا.
ثالثا: اختلف الناس في معنى سبع سماوات طباقا فمنهم من قال بانها سبع سموات طباقا , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع سماوات بسبع عوالم كعالمنا وكل عالم منها له شمسه وكواكبه وكذلك بالنسبة للارض فمنهم من قال بانها سبع اراض , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع أراض كأرضنا.

و الأظهر أن بعضها على بعض قال تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ".

فلا يكون القمر فيهن بالجمع للسماوات السبع إن لم تكن الطبقات سماء داخل الأخرى وداخلها جميعا سمائنا الدنيا التى فيها القمر.

رابعا :استدل البعض بقوله تعالى : "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه " ( الحج 65) أن السماء هنا كافة الأجرام السماوية وليس البعض منها فقط .

خامسا : قد يأتي العلم بما يخالف ما تصوره الناس و ألفوه و لكنه لا يأتي بما يخالف نصوص الوحيين الثابتة التي لا مطعن فيها و لا مجال فيها لتفسير أخر و قد يأتي العلم بتفصيل ما علمه الناس على وجه الإجمال أو ظنوه على وجه من الوجوه فيظهر على غيره و الله أعلم و لو وجدنا مخالفة بين العلم و الوحي فنعلم أنه إما أن هذا العلم قاصر أو مجرد نظرية خاطئة أو مخطئ أو أننا فهمنا نص الوحي خطأ و ليس ذلك من باب التكلف و لكنه من باب تصديق المئات الأدلة المتظاهرة القوية على صدق النبي  صلى الله عليه و سلم  و لله الحمد أنا لا أعلم ما فيه مثل هذا الخلاف.

و الآن لنبحر سويا في أقوال أهل علوم الدنيا  من أخر اكتشافات العلم الحديث في زماننا حول الكون و السماء و قد أختصرت كثيرا من هذا الكلام المختصر أصلا حتى لا يطول السرد.

1 – يقول د. حسني حمدان (أستاذ علوم الأرض في جامعة المنصورة):

والشمس تنطلق طاقة من سطحها الخارجي مقدارها 000.580 مليون مليون مليون حصان.

ويقول الدكتور/ منصور حسب النبي الثمن الذي يلزم علينا نحن سكان الارض أن ندفعه نظير ماتمدنا به الشمس من ضوء وحرارة بحوالي مليون مليون جنيه في الساعة الواحدة وصدق الله حيث يقول: "وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها" النحل: اية .18 
2 - يقول المهندس : مراد عبد الوهاب الشوابكه (قسم الهندسة الكهربائية / هندسة الإتصالات )

وفي هذا البناء الكوني العجيب من الأجرام السماوية والمجرات بنجومها وكواكبها أعداد هائلة يصل عددها إلى أكثر من 120 مليار في الكون المعلوم و في كل واحدة منها مليارات النجوم والأجرام السماويّة وللمجرات كما تعلمون أشكال مختلفة وأبعاد هندسيّة وأقطار هائلة وإليكم بعض الأمثلة بالأرقام:
(1) مجرة درب التبانة(Milky Way Galaxy):

قطر المجرّة = 100 ألف سنة ضوئية ( السنة الضوئية = 9.46 تريليون كيلومتر) 
100.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 946000 تريليون كيلومتر
بعد الأرض عن مركز المجرة = 25 ألف سنة ضوئية
25000 × 9.46 تريليون كيلو متر = 236500 تريليون كيلومتر. 
(2) مجرَّة (NGC 4258) :

قطر المجرة = 131 ألف سنة ضوئية 
131000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 1239260 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 25 مليون سنة ضوئية
25.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 236.500.000 تريليون كيلومتر.

(3) مجرّة ( M87) :

قطر المجرة = 120 ألف سنة ضوئية
120.000 × 9.46 تريليون كيلومتر=1135200 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 50 مليون سنة ضوئية
50.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 473.000.000 تريليون كيلومتر. 
(4) مجرّة(Andromeda)

قطر المجرّة = 200 ألف سنة ضوئية
200.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 1892.000 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 2 مليون سنة ضوئية
2.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 18920000 تريليون كيلومتر. 
وهنالك الكثير من الارقام التي لا تتسع لها شاشة الجهاز الله أعلم بها !!!...


السموات السبع, الجن و الملائكة بين العلم و الايمان

السموات السبع, الجن و الملائكة بين العلم و الايمان - منقول 

الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)(البقرة)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) (الطلاق)

وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)(الحجر)

مقدمة

لطالما كانت السماوات السبع, الجن و الملائكة من أكثر المواضيع التي يتم انتقاضها من قبل الملاحدة و اللادينيين بل و من قبل بعض "المؤمنين" الذين حاولوا تأويل هذه المخلوقات ففسروا الجن على أنه الميكروبات! و السماوات السبع على أنها طبقات الغلاف الجوي! أما الملاحدة فظلوا في طغيانهم يعمهون.
أولا أؤكد أنه يجب على المسلم الايمان بكل ما جاء في القرآن عن الغيبيات كالملائكة و الجن و لو ظن –بسبب قلت علمه – أنه يخالف العلم و ذلك لقوله تعالى
" الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)(البقرة)" 

ثانيا: هل فعلا وجود السماوات السبع, الملائكة و الجن يخالف العلم الحديث؟
ملاحظة: انا لا ندعي أننا نعلم حقيقة الملائكة و الجن و السموات السبع و لن نصل الى أي استنتاج نهائي في هذا الخصوص ولكن جل ما سوف نحاوله هو اثبات أن العلم الحديث و الفيزياء يسمح بل و يرجح وجودها.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)(الاسراء)
أثناء دراستي الجامعية للفيزياء قابلت من الناس الكثير من مختلف الأديان و الأفكار و المعتقدات ولكن لم يدهشني أحد منهم بقدر دكتور ملحد ادعى علمه للفيزياء عندما أخذ يسخر من الملائكة و الجن و يقول أنها خرافات ناسيا, أو متناسيا أن الفيزياء التي يدعي علمه فيها لا تنفي أبدا وجودها و لذلك رأيت كتابة هذه المقالة التي سوف أستعرض فيها بعض نظريات الفيزياء الحديثة التي توضح قليلا ما قد يوكن عليه الجن و الملائكة و السماوات السبع علما أننا سنطرح عدة فرضيات و لن نصل لاستنتاج و حسم للمسألة.

1- الكون الغير المنظور
المادة المظلمة
الكثير مِن الناس قد يظن أن علم الكون و الفيزياء هو علم متقدم أي أن العلماء قد اكتشفوا بشكل شبه كامل ماهية الكون و طريقة سيره.. ولكن مهلا عزيزي .. هل تعلم أن العلماء لا يعلمون حتى من ما يتألف الكون؟ هل تعلم أنهم لا يعلمون أي شيء على الاطلاق عن 98% من المادة التي يتكون منها كوننا؟ لا يدرون ما هي و لا مما تتألف و لا أي شيء على الاطلاق انما هم يعلمون أنها موجودة بسبب الجاذبية التي تولدها.
في البدء ظن العلماء أن الكون يتألف من النجوم و المجرات و الكواكب التقليدية التي نعلمها و ظنوا أنها هي تشكل الوزن الأساسي في الكون.. و لكن عند دراستهم للمجرات كانت الصدمة الكبرى: وزن النجوم و كمية المادة التي تتألف منها غير كافيتين لتثبيتها في مجرات بل يجب وجود مادة اضافية ذات وزن هائل في المجرة عدا عن المادة المنظورة في النجوم لتثبيتها على شكل مجرات , و هذه المادة أسماها العلماء المادة المظلمة و هي موجودة داخل المجرة بكميات تساوي آلاف أضعاف كميات المادة المنظورة التي تكون النجوم و الكواكب.

الطاقة المظلمة
ثم و في دراسة أخرة اكتشف العلماء أن الكون يتوسع نتيجة الانفجار العظيم قبل 14 مليار سنة ولكن كانت الصدمة هي عند اكتشاف أن سرعة هذا التوسع تزداد بدل أن تنقص! و استنتجوا أنه يجب وجود طاقة مخفية لا نعلم شيء عنها تشكل معظم وزن الكون! و سموها الطاقة المظلمة
و الآن يصبح توزيع وزن الكون كالتالي:

الكون يتألف من 4% من المادة المنظورة التي تألف النجوم و الغازات و الكواكب و المجرات
22% من المادة المظلمة التي تثبت المجرات و التي لا نعلم أي شيء عن ماهيتها
74%طاقة مظلمة تزيد من سرعة توسع الكون و لا نعلم أي شيء عنها أيضا
أي أننا لا نعلم أي شيء على الاطلاق عن 96% من المادة التي تألف هذا الكون و لا ماهيتها و لا دورها أو خصائصها أو حتى مكان وجودها! 
لا أدعي أبدا أن هذه المادة المفقودة هي الجن و الملائكة لا على الاطلاق, انما جل ما أريد الوصول اليه أن العلماء لا يعلمون شيئا عن تركيبة الكون لكي نلغي فكرة وجود الملائكة علميا.. فكما أنه هنالك مادة غير منظورة يوجد ملائكة و جن غير منظورين

2- النظرية الخيطية و الأبعاد الأُخرة و الأكوان المتوازية

نظرتنا الى الكون:
اليوم بات من الثابت علميا و المقبول عالميا أن الكون المرئي المادي يتألف من ذرات و هذه الذرات بدورها تتألف من جزيئات و هذه الجزيئات بدورها تتألف من جزيئات أصغر, و على هذا المستوى الضئيل هنالك أربع قوى تتحكم بتصرف هذه الجزيئات التي يتألف منها كل الكون بما فيه الانسان.
ما هي النظرية الخيطية؟
النظرية الخيطية (أو نظرية الخيوط الخارقة string أو superstrings theory ) هي نظرية فيزيائية ترمي الى تفسير وجود و خصائص جميع الجزيئيات particles و القوى الأساسية fundamental forces التي تشكل و تتحكم بهذا الكون في نظرية واحدة جامعة تشمل كل شيء و تجمع النسبية العامة (التي تفسر خصائص الكون على النطاق الواسع large scale ) و نظرية الكوانتوم (التي تفسر خصائص الكون على نطاق ضيق small scale ) في نظرية واحدة شاملة تفسر الكون بدلا من عدة نظريات متفرقة, أي باختصار هذه النظرية هي أحد النظريات التي تهدف الى تفسير كل ما نعلمه في الفيزياء في نظرية واحدة, و هذه النظرية اليوم هي النظرية الوحيدة الموجودة و المقبولة عالميا في هذا الشأن.

باختصار النظرية الخيطية تقول بأن الجزيئات التي تألف المادة بدورها تتألف من خيوط صغيرة جدا متذبذبة و قوة هذه الذبذبة هي ما يجعلها تكون مختلف الجزيئات التي تكون الكون.

نتائج النظرية الخيطية
1- الأبعاد الاضافية

عندما تقدم العلماء في دراسة هذه النظرية اكتشفوا بأنها تتنبأ بأن الكون يتألف من 11 أبعاد و ليس مجرد الأربع أبعاد التي نعلمها (الطول العرض الارتفاع و الزمن) و هذه الأبعاد السبعة الجديدة لا نعرف أي شيء عنها و لا مكان وجودها و لا خصائصها و لا حتى السبب الذي يجعلها مخفية .
و الآن ما الذي يمنع أن يعيش الجن في هذه الأبعاد الأخرى الغير منظورة؟ أو أن تتنقل الملائكة بها فتصبح غير مرئية لوجوجها في أبعاد غير مرئية؟ (مجرد فرضية لا دليل عليها الى أنها لمجرد اظهار أن العلم لا يمنع وجود مخلوقات أخرى غير منظورة)

2- الأكوان المتوازية parallel universes

بالاضافة الى الأبعاد الاضافية, تتنبأ النظرية الخيطية بوجود اكوان أخرى غير التي نعيش فيها! (الأبعاد الجديدة هي جزء من كوننا أما الأكوان الأخرى ففيها أبعاد أخرى) و هذه الأكوان هي أيضا غير مرئية و لا نعلم أي شيء عنها و لا نستطيع الاحساس بها أبدا.
و الآن ما الذي يمنع كذلك أن تكون هذه الأكوان الأخرى هي السموات السبع؟ أو أن تحتوي على الملائكة و الجن الغير منظورين كالأكوان التي تحتويها؟

و الآن و كما رأينا فالفيزياء الحديثة تقدم عدة حلول لأماكن وجود الجن و الملائكة و ماهية السموات السبع علما بأنه لا شيء يمنع من أن يكتش العلماء المزيد في هذا الخصوص..

أذكر و أؤكد أن هذه عبارة عن فرضيات لا دليل عليها الا أنها لاظهار أن العلم لا يمنع وجود جن و ملائكة غير مرئيين. 

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

هل يوجد أراضين غير أرضنا ؟وهل يوجد كائنات غيرنا وغير الجن والملائكة في الكون ؟

فلنعلم أن القرآن الكريم أشار إلى ما يلي :
1- وجود كائنات حية غير الإنس والجن والملائكة في الكون وهي كائنات مجسمة ومنها المؤمن فيسجد لله ومنها من يفسد ويسفك الدماء.
2- القرآن يشير إلى وجود سبعة أراضين مثل أرضنا في الكون تعيش عليها تلك الكائنات.
3- القرآن الكريم يؤكد وجود الحياة النباتية في السماء ووجود الشمس والماء .
4- القرآن يشير إلى احتمال الاجتماع بتلك الكائنات قبل يوم القيامة .
5- القرآن يشير إلى احتمال حدوث اتحاد بين الإنس والجن وعلومهما من طرف , وحدوث معركة في الكون تجمع بينهما في طرف واحد ضد الكائنات الأخرى فتستعمل في هذه المعركة أسلحة نارية قريبة من القنابل النووية وأسلحة مصنوعة من النحاس , والغريب أن القرآن يكشف نتيجة المعركة مسبقاً حيث يخبرنا أن النصر سيكون حليف تلك المخلوقات !! وهذا يعطي إشارة أنها أكثر تطوراً وقوة من الإنس والجن مجتمعين .
وقبل الخوض في التفاصيل أنوه إلى ما يلي :
1- أن نفرق بين تفسير القرآن والمفسرين من جهة , وبين القرآن نفسه من جهة أخرى , فالتفسير هو على الأغلب اجتهاد أشخاص في فترة ما من الزمن قد يصيب وقد يخيب , وكل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب ذلك القبر محمد صلى الله عليه وسلم , والقرآن حمال على وجوه فاحملوه على أحسن وجه , والقرآن متولد المعاني ولا تنقضي عجائبه مع الزمن .
2- معاني القرآن تتجلى وتزداد وضوحاً مع تقدم العلم بعكس الكتب السماوية الأخرى التي تتصادم مع العلم بشكل صارخ .
3- مفاهيم ومرامي الكلمة القرآنية قد تكون ذات معنى في زمن وقد تضيف معنى آخر أكثر نقاء وعظمة في زمن آخر , فمثلاً لما تحدث الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل في سورة الإسراء , وربط الحديث عنهم بالمسجد الأقصى ؛ علينا أن نتذكر  أن السورة لما نزلت كانت مكية وتتحدث عن بني إسرائيل يوم لم يكن لهم دولة في فلسطين أليس كذلك ؟ ولكنك تقرأ في سورة الإسراء أن اليهود سيعلون علواً كبيراً !! ونزلت هذه الآية بعد أن كان اليهود شرذمة أذلاء يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم ففروا إلى الجزيرة العربية وغيرها كلاجئين صاغرين ليس لهم أرض ولا تاريخ أليس كذلك ..ولكن الله تعالى ذكر أنهم سيعلون علواً كبيراً, وذلك يوم ربط علوهم بأرض الإسراء والمعراج (ولتعلن علواً كبيراً) فلو رجعنا للتفاسير القديمة وعلى رأسها – الأقدم - تفسير الطبري 310 هـ ؛ سنجده يتحدث عن علو في الكفر , أي سيزداد كفر بني إسرائيل !! ولم ولن يخطر بباله العلو الذي نراه ونلمسه في الواقع الآن لبني إسرائيل , فنحن اليوم نرى علوهم في الواقع وهم في أرض الإسراء والمعراج وهو علو في السياسة والقوة العسكرية والإعلامية والاقتصادية والزراعية ...الخ فما أردت من هذا السرد إلا أن أوضح كيف تصبح الكلمات القرآنية ذات مدى معرفي أشمل مع تقدم الزمن وصدق الله تعالى لما قال متحدثاً سبحانه عن المستقبل: ( وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها) النمل 93 فنحن اليوم أكثر معرفة بمعنى ولتعلن علواً كبيراً, وعلى ذلك قس .
4- أرجو من الإخوة المتحاورين الكرام ألا يستعملوا كلمات التشكيك والاتهام  والسباب وسوء الظن , أثناء الردود , ولنجعل حوارنا علمياً بحتاً , يرد على الحجة بالحجة وليس بالضجة .فقد سبق وأن طرحت مثل هذا السؤال فاضطررت لإغلاقه بسبب سوء الحوار من البعض .
الآن لندخل في التفاصيل :
أولا وقبل كل شيء علينا أن نعلم أن لفظة الدابة عندما تقرأها في القرآن ؛ فإنها  تتحدث عن غير الملائكة والجن لأن الملائكة مخلوقات نورانية أما الجن فهو مخلوق من نار ,,أما الدابة فهي مخلوقة من ماء لقوله تعالى :
(والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء..)النور 45
وانتبه الى كلمة(كل)حتى لا تستثني أي دابة كونها خلقت من ماء , وبعد ذلك اقرأ الآية الكريمة :
(ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة )الشورى
 29, ماذا تستنتج الآن ؟ فإذا علمنا أن الدابة هي كل ما يدب في الأرض أو عليها من إنس وحيوان  فما هي الدابة في السماوات إذا لم تكن ملائكة ولا جن ؟ وانتبه إلى قوله تعالى :(يخلق الله ما يشاء) فما يدب على الأرض التي نعيش , من إنس وحيوان شيء مفروغ منه ولكن لماذا لا نتدبر في تكملة الآية في قوله تعالى :(يخلق الله ما يشاء) وكذلك(ويخلق ما لا تعلمون)؟
والقرآن يشير إلى أن تلك الدواب كائنات ساجدة لله وهي شيء غير الملائكة اقرأ معي هذا النص:
(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة , والملائكةُ وهم لا يستكبرون)النحل 49 , وتم ذكر الملائكة هنا بشكل منفرد  , حتى تعلم أن الملائكة شيء مستقل غير الدابة !!! فإذا كان في السماوات كائنات تسجد غير الملائكة فما هي ؟
وعلينا أن نعلم أن القرآن قال لنا:(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) فمثلا القرآن يشير إلى وجود دابة حتى في كوكبنا الأرض ولا نعلم مكانها إلا كعلامة من العلامات الكبرى  ليوم القيامة وهي دابة متكلمة مؤمنة وترى ذلك  عندما تقرأ الآية الكريمة :
(وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)النمل 82 , فإذا ما زلنا نجهل أين هذه الدابة وهي موجودة الآن في مكان ما من  الأرض بدليل قوله تعالى :(أخرجنا لهم دابة) وليس خلقنا !! فهي موجودة ولكن لم تؤمر بالخروج لنا !!فإذاً لا نستغرب أن توجد دابة في السماوات !!
هل تعلم أن القرآن يشير إلى إمكانية أن تجتمع دواب السماء مع من في الأرض وليس بالضرورة أن يكون ذلك في الآخرة فقد يكون الأمر في الدنيا لأن النص يحتمل الأمرين لما تقرأ قوله تعالى :
(ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة , وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) الشورى 29
الطبري في تفسيره عادة يسرد أقوال من سبقوه فمما ذكره في تفسيره أنسخه بالحرف وأضعه بين قوسين فيقول ناقلاً أحد الآراء :
(وما بثّ فيهما من دابة, يعني وما فرّق في السموات والأرض من دابة)
فما تلك الدابة التي في السماء؟
و تلك المخلوقات كائنات عاقلة مؤمنة ومجسمة ليست كائنات فيروسية  لأن الله تعالى يقول بسياق الحديث عن العقلاء :
(ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) الرعد 15 , وما زلنا نتحدث عن كونها في كل من السماوات والأرض , وحرف (مَن) يستخدم في اللغة العربية للدلالة على العاقل ,  وكلمة (وظلالهم)  كلمة تشير لوجود شمس تصنع الظلال عندهم فظلهم يتحرك بحركتهم كلما سجدوا أو ركعوا لله سبحانه ,والكلمتين (بالغدو والآصال)    دليل على وجود ليل ونهار عندهم كذلك لينتج منه غدو وآصال وهي تعني الصباح والمساء, وبما أنهم كائنات عاقلة تتحرك فهناك ماء لأن الله تعالى قال :
(وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون)              
ولما تقرأ قصة الملائكة وحوارها مع ربها, فهي تتوقع من الإنسان أن يسفك الدماء ويفسد في الأرض , قياساً على ما رأت من مثال مسبق مما كان يدب في الأراضين الأخرى من مخلوقات مائية , وتأمل قول الله سبحانه وتعالى:
(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ(. فالملائكة لا تعلم الغيب , فكيف لها أن تتنبأ بمواصفات الإنسان  وما سيعمله في الأرض ؟
لماذا هم متأكدين أن هذا المخلوق سيفسد ويسفك الدماء؟ فيا ترى هل لتلك المخلوقات مكونات تشبه الإنسان من دماء يجري في عروقها فيسفك , وفساد يدب بين بعضها فينتشر ؟
والقرآن الكريم يشير إلى وجود كائنات نباتية في أراضين الكون الأخرى لما تقرأ قوله تعالى
"أَلَّا يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"(سورة النمل، آية 25)
والخَبْءُ: هو النبات؛ لأن الحبة تختبئ في الأرض، ثم تخرج زرعا، أي أن الله أخرج النبات في الأرض، وكذلك أخرجه في السماء، ومعنى هذا وجود الحياة النباتية فيها.
وأما الآية التي أشارت إلى وجود الأراضين السبعة , وأن أمر رسالة الله تتنزل بين جميع تلك الأراضين ؛ فتقرأها هنا :
(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا
أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) الطلاق: 12
وقد نقل الطبري قائلاً , عن قتادة، قوله: { اللَّه الذَّي خَلَق سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمن الأرض مِثْلَهُنَّ } خلق سبع سموات وسبع أرضين في كلّ سماء من سمائه، وأرض من أرضه، خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.
أما عن الحديث عن المعركة الكونية في المستقبل فاقرأ :
(يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذا لا تنفذون الا بسلطان* فبأي آلاء ربكما تكذبان* يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران* فبأي آلاء ربكما تكذبان؟)الرحمن 33-36
الآبة تتكلم عن معركة ممكنة الحدوث في المستقبل يتحد فيها الانس مع الجن وهما يحاولان النفاذ من أقطار السماوات والأرض , أما عن محاولة النفاذ من أقطار السماوات والأرض فالجن هو صاحب السبق بهذا وله خبرة بهذا المجال من قبل  أن يكتشف الانسان الصاروخ الفضائي فيقول الله تعالى عن تاريخ الجن وخبرته في النفاذ إلى أقطار السماء متحدثاً على لسان الجن:
(وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً ..) الجن8 , ثم تتحدث الآية عن نوع السلاح الذي سيواجههما هناك شواظ من نار !! شيء يشبه القنابل النووية مثلا ؟ الله أعلم فقد يكون أكثر تطوراً , ثم سلاح مكون من نحاس !! فما هو ذلك السلاح ؟ والخلاصة الهزيمة لاتحاد الجن والإنس , فلا تنتصران ؟!!!؟
الخاتمة: هذه مجرد قراءة في نصوص قرآنية أحب ان يشاركني الحوار بها الجميع , وأعلم أن غيري طرق هذا الموضوع من قبل , ولكن أظن أن طرقه هنا له الكثير من الفائدة , أعظمها أن يتيقن الجميع أن كتاب الله كتاب أعظم بكثير مما نظن فهو ليس مجرد ترانيم محزنة نسمعه عند المقابر والجنازات أو مجرد تعويذة تعلق في السيارة لمنع الحوادث أو مجرد زخرفة نجمل بها الجدران , إنه كتاب هداية ونور ومنهج حياة وعلم وتشريع وحكمة بالغة وشفاء لما في الصدور وطمأنينة للقلب ورحمة للعالمين.
أخيراً أختم بقوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)فصلت 53 صدق الله العظيم  




منقول .... 

الثلاثاء، 31 يوليو 2012

22 دليلاً على الانهيار الوشيك لأمريكا

عندما قلت إن أمريكا ماتت، كنت أعني ما أقول. فهذه الدولة المحاربة تعيش الآن لحظة النهاية والسقوط ، فهي كثور مذبوح يصدر خوارا بصوت مزعج، ويضرب بساقيه وقدميه يمينا وشمالا ضربات يائسة، لإرعاب من حوله. ربما من يقتربون منه وعلي أبصارهم غشاوة يشعرون بقوة اهتزاز ضرباته لكن من يقف علي مسافة بعيدة منه يرى نهايته القريبة ويرى أن الموت مسألة وقت.
وعندما كتبت مقالي السابق بعنوان "أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان" كنت أكشف لأمتي عن حقيقة، ربما تغيب عن البعض بسبب التضليل الإعلامي والضباب والضجيج المفتعل لإبعاد الأنظار عن الأفول الأمريكي ونهاية امبراطورية الشر الأمريكية.
أردت أن أبشر أبناء الأمة - بناء علي حقائق ومعلومات وليس عواطف وأمنيات - بأن الكابوس الجاثم علي صدورنا ينقشع أمام أعيننا ويحتاج أن ننظر بعيوننا وعقولنا لنتأكد وليس بعيون غيرنا، لأن البعض تعود علي أن يصدق ما يقوله الآخرون واعتاد علي تصديق الكذب الذي نراه ونسمعه ونقرأه كل يوم.
ورغم أن مقالي كان بمثابة طلقة تبدد الصمت الذي يغلف سقوط الصنم، وذكرت فيه رؤوس عناوين، فإن رسالتي وصلت الي الطرف الآخر بأسرع مما توقعت، وضربت علي الجرح النازف، وأصابت كبد الحقيقة.
وفوجئت برد القيادة المركزية الأمريكية علي مقالي وهو أمر نادر الحدوث، و يبدو أن القوم لم يتحملوا أن يضع أحد يده علي الحقيقة الصادمة لهم، لأن فتح هذا الباب يعجل بحالة التمرد بالمنطقة علي الهيمنة الأمريكية، وإجبار المحتل الأمريكي علي الرحيل من بلادنا وسحب ما تبقى من الأذرع الطويلة النازفة في العالم الإسلامي لتنكفئ أمريكا علي نفسها وتلملم جراحها وتتقوقع حول نفسها خلف المحيط، ترعي مصالح أبنائها وتهتم بتوفير التعليم والصحة لمواطنيها.
فأمريكا لا يطول عمرها إلا بما يقدمه لها حكام العرب والمسلمين من حليب ودم، ولولا الخدم الذين تنكروا لأمتهم ما استمر هذا العلو الأمريكي والصهيوني الي اليوم، ولكن لحكمة أرادها الله أن تبقي أمريكا كي تسقط بأيدي الشعوب المستضعفة في العراق وفي أفغانستان.
إن أفغانستان أفقر دولة إسلامية التي أسقطت الإتحاد السوفيتي هي هي التي تهزم أمريكا اليوم في هلمند وقندهار وتقضي علي الهيبة العسكرية الأمريكية بعد تكسير عظام هذا الجيش في الفلوجة والأنبار بأيدي شعب يعاني من الحصار لأكثر من عقد من الزمن، ليكون الانكسار العسكري هو المشهد الأخير لسقوط هذه الإمبراطورية.
وبالعودة إلى رد القيادة المركزية الأمريكية يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول يكرر الادعاءات عن إعمار الدولتين المحتلتين وعن الدور الإنساني للقوات الغازية في تقديم العون والعلاج وإقامة نظم حكم رشيدة!! وكأن هذه الجيوش وهذه الأسلحة جاءت لتكريم المسلمين وليس قتلهم .
والقسم الثاني من الرد يحاول إثبات إن أمريكا لم تمت وأنها بخير وعافية.
ولأن الرد يأخذنا بعيدا عن صلب الموضوع ويغرقنا في أرقام زائفة ومعلومات مغلوطة فإنني سأحاول أن أحيط بما ورد قدر الإمكان، مع التركيز علي صلب القضية.
وجهة نظر القيادة المركزية الأمريكية لا تقنع أحدا في العالم الإسلامي، وهي ترديد لأقاويل إدارة بوش السابقة، وما ورد من تبريرات وأرقام لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي تؤكد أن القيادة الأمريكية تعيش في واد والعالم كله في واد آخر.
باما نفسه الذي فرق بين حرب أفغانستان وحرب العراق، ووصفها بأنها " حرب غبية. حرب متسرعة. حرب قائمة لا على المنطق، بل على العواطف، حرب قائمة لا على المبادئ، بل على الدوافع السياسية"..

«كابوس مكيف الهواء» لهنري ميلر ... الحلم الأميركي يتحطم


يقول الكاتب الأميركي هنري ميلر (1891 -1980) «كان ينبغي أن أقطع مسافة عشرة آلاف ميل قبل أن أتلقى الإلهام وأكتب سطراً واحداً». وبعد أن يجوب تضاريس بلاده ويقطع هذه المسافة الطويلة تكون النتيجة كتاب «كابوس مكيّف الهواء» الذي يتحدث عن الولايات المتحدة الأميركية؛ بلد الكاتب. يعيد ميلر في هذا الكتاب، الصادر أخيراً في ترجمة عربية عن دار المدى (دمشق 2012 )، اكتشاف اميركا بعدما استقر سنوات في اوروبا، وعندما عاد الى بلاده، نهاية ثلاثينات القرن الماضي، أراد أن يتصالح مع بلده ويضع كتاباً يختزل فيه رؤيته حول هذه البلاد التي تمثل حلماً زاهياً لأناس كثيرين، فهل هي، حقاً، كذلك، بلاد الأحلام والطموحات والعدالة والسعادة؟
منذ الصفحات الأولى يكتشف صاحب «مدار السرطان» خطل الفكرة القائلة بأن اميركا هي موطن الأحلام، وتحقيق الأمنيات. إنها خدعة تغري بالمغامرة، بيد أن ميلر لا يستسلم لهذا الرأي النمطي الذي يرى في اميركا مصرفاً للمال، وواحة للبهجة والرخاء. ومثل هذا الاستنتاج لا يأتي كتنظير مجاني يطلقه كاتب معزول عن محيطه؛ جالس وراء مكتب وثير. هو استنتاج جاء عبر رحلة طويلة يجوب خلالها اميركا من شرقها الى غربها ومن شمالها الى جنوبها. ينتقل بين المدن والبلدات والقرى، ويسافر عبر عزلة الصحراء وخضرة السهوب والسهول، ووعورة الجبال وبمحاذاة الشواطئ. يتعرف على بلاده من جديد، ويقتفي كل أثر. يرصد الأمكنة وملامح البشر. يسير في دروب الريف البعيدة، وشوارع المدن المكتظة. يصغي الى أصوات الراحلين من الساسة والأدباء والزعماء والمثقفين والفنانين، مثلما يصغي الى اصوات الباعة والسائقين والفلاحين والخدم ورعاة البقر وقطاع الطرق. بعد كل هذه الجولات يصوغ مشاهداته ضمن هذا النص الأدبي الذي ترجمه أسامة منزلجي. نص يستمد حرارته ورونقه من تفاصيل الحياة الاميركية بكل تشعباتها وصخبها وفوضاها، بينما تكمن قيمته في ذلك الحس النقدي الرفيع الذي يتمتع به الكاتب وهو يختبر نمط الحياة في تلك الجغرافيا المترامية الأطراف، والمتنوعة.
يعيب ميلر على أولئك الوافدين والمهاجرين الذين حلموا بأرض الأحلام، واستقروا فيها مبهورين بالقشور والمظاهر الخارجية، من دون أن يتمكنوا من النفاذ إلى المعاني المخبأة خلف ذلك البريق المزيف. فأميركا، التي جال في أرجائها، تفتقر الى الفن، والديموقراطية على عكس الاعتقاد الشائع. هي بلد الروتين القاتل والافتقار الى القيم، والتخلف المزمن. إنه يرى أميركا بارعة في الدمار، وفي صناعة السيارات، وفي الحديث عن تجارة الازرار. يخاطب ميللر أولئك المخدوعين بحداثة اميركا على هذا النحو: إنهم يرون سيارة جميلة، براقة تمر بهم مسرعة كقطة؛ ويرون دوراً للسينما تبدو كالقصور، ومخازن متنوعة تضم عارضات أزياء يرتدين كالأميرات. انهم يرون الجواهر الرخيصة، والأدوات الغريبة، ووسائل الرفاهية، ولا يرون المرارة في القلب، ونزعة الشك، والسخرية، والخواء، والعقم، واليأس، وانعدام الأمل».
بهذه اللغة الصريحة الجارحة، وبتلك النبرة التهكمية الساخرة، يمضي في كشف الخفايا، وفضح النزعات الأنانية والفردية لمواطنيه، وكأن أميركا هي مجرد كابوس. لكنه مكيف الهواء. كابوس يعمه «ضجيج المُحركات وصفّارات المصانع»، ولا قيمة لشيء آخر سواء في مجال العلاقات الاجتماعية، او في مجال القيم والمبادئ، أو في مجالات الفنون والثقافة. يقول ميللر: «لا يوجد بطل شجاع في قول الحقيقة في عالم النشر، ولا شركة إنتاج أفلام واحدة مكرسة للفن بدل الأرباح، وليس لدينا مسرح يستحق اسمه، وليست لدينا موسيقى تستحق الذكر... وعلى امتداد العشرة آلاف ميل، التي قطعتها في سفري، مررت بمدينتين تحتوي كل منهما مقطعاً صغيراً يستحق إلقاء نظرة ثانية عليه، أعني بقولي تشارلستن ونيو اورليانز، أما المدن الأخرى، والبلدات والقرى التي مررت بها، فآمل ألا أراها ثانية... إن كل ما كان ينطوي على جمال أو أهمية أو وعد دُمِّر ودُفِن تحت جلمود التقدم الزائف».
وإزاء هذا الزيف الذي يغلف كل شيء، فإن الشيء الحقيقي الوحيد يبقى غافياً في نفوس أولئك الهنود؛ سكان البلاد الاصليين الذين ظلوا، لقرون طويلة، مخلصين لتلك القارة العذراء إلى أن جاء البيض، وانتزعوا منهم كل ذلك الصفاء الروحي، والتآلف الفطري مع الطبيعة البكر: فالهنود، الذين جردناهم من ممتلكاتهم، وأهلكناهم، ووضعناهم في مرتبة المنبوذين، كانوا يبجلون الأرض. الغابات كانت سليمة، والتربة غنية وخصبة. وقد عاشوا في تناغم مع الطبيعة حياة وصفناها نحن بالتخلف. وعلى رغم انهم لم تكن لديهم لغة مكتوبة، كانوا شاعريين حتى اللب، ومتدينين بعمق. ثم جاء اجدادنا واحتقروا حكمة الحياة التي كان يمتلكها الهنود وشوهوها». ويبدي تعاطفاً كبيراً مع أولئك الهنود الذين تعرضوا لغزوات مفاجئة ودفعوا أثماناً باهظة من ممتلكاتهم وأرواحهم بسبب غرور الغازي وجبروته وأنانيته. إنه يحيي تاريخاً دامياً لا يمكن الحداثة الفاقعة أن تخفي آلامها المزمنة.
يعتقد القارئ، للوهلة الأولى، ان هذا الكتاب ينتمي الى أدب الرحلات. لكن هذا التصنيف لا يفي الكتاب حقه، فهو خليط من أدب الرحلات والسرد الروائي، ومن السيرة الذاتية، بل ان الكتاب ينطوي على نقد اجتماعي وعلى جوانب فلسفية وعلى حالات من التأمل الوجداني، ذلك أنه يتخطى الوصف الواقعي نحو التأويل واستخراج الدلالات العميقة من هذا المشهد العياني أو ذاك. وينأى الكتاب، تماماً، عن الجانب السياحي الذي ميز بعض الكتابات التي وثقت للأسفار والرحلات. كل فرد، وخصوصاً إذا كان كاتباً، في مقدوره أن يقوم بجولات ثم يضع انطباعاته، ويصف الطيور وكائنات الطبيعة وسحنات البشر وطراز المباني، وأنماط المعيشة. التجوال، عندئذ، يغدو نوعاً من التسلية وتزجية الوقت. لكن مع ميلر الأمر مختلف تماماً. إنه يحول رتابة الحياة الى مفردات تنبض بالسحر والدهشة، وهو يتحلى بجرأة نادرة في تسمية الاشياء بمسمياتها من دون اي لبس. يقول الحقيقة عارية، مباشرة من دون أن يخضع لأي سلطة سوى سلطة الفضول الجامح والكشف الذي لا يعرف الخطوط الحمر. فالكاتب، الذي عرف بنصوصه الإباحية، بدا في «كابوس مكيف الهواء» ملتزماً بتحطيم الاسطورة الاميركية التي فتنت العالم، وهو في هذا المسعى لا ينطلق بدافع من الانتقام أو جلد الذات، ولعله من القلائل ممن يمتلكون الشجاعة للبوح بما هو مسكوت عنه، ومثلما ان ماركو بولو «ابتكر آسيا للذهنية الأوروبية»، فإن ميلر، بدوره، يضع الحقائق المريرة عن بلاده بين دفتي كتاب، وهو كتاب لا يصلح، البتة، أن يكون «دليلاً سياحياً»، بل هو تحذيرات وملاحظات وأسئلة عن بلد يغفو بعذوبة في أحلام بسطاء العالم.
لكن الكاتب يكشف الوجه الآخر الخفي، ويرى ان بلاده تسير نحو الهاوية ولا بد من ابتكار سبل للنجاة.
                                                                   ابراهيم حاج عبدي

مقتلة كولورادو تجدد النقاش حول العنف الافتراضي

هل انتقل العنف الافتراضي إلى جايمس هولمز (28 سنة)، منفّذ مقتلة سينما المركز التجاري لبلدة «أورورا» في كولورادو، من فضاء الإنترنت أو ربما من وسيط مشابه مثل السينما؟ هل كان هذا الدارس للجهاز العصبي عرضة لتأثير ظاهرة «العنف بواسطة الحضّ» Violence by induction، وهي ظاهرة يميل كثيرون من الاختصاصيين الاجتماعيين ومدارس علم النفس وأطباء الأعصاب، إلى الأخذ بها؟

الشيطان المعكوس و «إنسانيته»
بباروكة حمراء كانت مثبّتة على رأسه كي تقرّبه شبهاً من شخصية «افتراضية» عند ارتكاب المجزرة، أعاد هولمز النقاش عن ظاهرة العنف الافتراضي، التي لا يقتصر أمرها على الإنترنت. إذا أخذنا العنف الافتراضي بمعنى أوسع قليلاً مما توحي به تقنية الكومبيوتر، يبدو هولمز وكأنه استمرار لظاهرة معروفة، على الأقل منذ انتشار التلفزيون في الخمسينات من القرن الماضي. فمنذ ذلك الوقت، ربط كثيرون من المفكرين الاجتماعيين الأميركيين، بين العنف المدني، خصوصاً بين مجاميع المراهقين في المدن الكبرى وضواحيها، وبين العنف «الافتراضي» الذي يتدفق عبر التلفزيون. وحينها، رأى أولئك الخبراء أن الشاشة الفضية تقدّم سيولاً من العنف عبر أفلام الأكشن ومسلسلات صاخبة يتقدمها أصحاب العضلات الأقوى والمسدسات الأسرع والقنابل الأشد قوة والرشاشات الأكثر قدرة على الفتك وغيرها. واستطراداً، لا بد من التذكير بحقيقة معروفة وشائعة، وهي أن الاختصاصيين وجدوا أن أشد العنف المتلفز يتمثّل في مسلسلات الكرتون المخصّصة للصغار، مثل أفلام «توم وجيري» التي تصدّرت قائمة المشهديات التي تحضّ على العنف في معظم الدراسات. ثمة خطّ هنا يتصل بمقتلة كولورادو. فعند إلقاء القبض عليه، صرخ هولمز قائلاً: «أنا البطل الشرير (الجوكر) في أفلام «الرجل الوطواط». إلى هذا الحدّ، استولت مشهدية على منفذ هذه المجزرة المدنية. هل أنه رأى في الأمر استمراراً للصراع الشهير بين «باتمان» و «الجوكر»، الذي يعرفه كل من يتابع «الرجل الوطواط»؟
في السينما، وبصورة تدريجية، أعطت الأفلام لشخصية «الوطواط» بعداً شبه ميتافيزيقي، بمعنى أنه شخصية تقف على الحدود بين الخير والشرّ، بالأحرى أنه الإنسان الذي جاء من الشر، ويستخدم أساليبه في التخفي والعمل من خارج القانون، لكنه يخدم الخير. إذا استخدمنا صيغاً أكثر ميتافيزيقية، يبدو «الوطواط» وكأنه شيطان معكوس. إنه رهان هائل على الخير الإلهي في الإنسان. ولكن، على نقيضه، تأتي شخصية «الجوكر». إنه نوع من ملاك معكوس، بالأحرى ملاك ساقط أو متمرد على الخير الإلهي، على نحو ما يتصور كثيرون عن الشيطان. وفي مقتلة «أورورا»، يصعب عدم تذكر أن الفيلم الذي استهدف هولمز جمهوره يحمل عنواناً يتفق مع هذا الضرب من التفكير: «ذي دارك نايت رايزز»، وترجمته «صعود الفارس الأسود». والواقع أن هذا العنوان محمل بالأبعاد الميتافيزيقية السابقة الذكر، خصوصاً أن كثيراً من الصور الدينية تربط بين الأسود والشيطان. وفي ذاكرة السينما أن إحدى التمثيلات الشديدة القرب للشيطان، وهو شخصية «مصاص الدماء»، حملت اسم «أمير الظلام»، الذي ظهر دوماً بملابس سود، خصوصاً مع وشاح أسود كبير.
في هذه الصورة، ثمة خيط يربط مقتلة «كولورادو» بسيل من الأخبار تتالت في الشهور الأخيرة، من الولايات المتحدة، تحمل تفاصيل مثل أن يقتل أب طفله لاعتقاده بحلول الشيطان فيه (وهي معاكسة مباشرة لقصة النبي إبراهيم وتضحيته بابنه)، وقتل زوج لزوجته (أو العكس) للسبب نفسه، وكذلك قتل أقارب أو أصدقاء بدعاوى مماثلة. هناك عودة يصعب إنكارها للغيبيات والميتافيزيقا في عوالم ما بعد الحداثة ومتاهاتها. ولم لا يمكن الاستطراد للسياسة الأميركية، التي تشهد صعوداً قوياً، ابتدأ من ثمانينات القرن الماضي، لانتماءات السياسية المرتبطة بالأديان، مثل من يطلقون على أنفسهم «المولودون الجدد» (كان منهم الرئيس جورج بوش الابن) وغيرهم من تنويعات المجاميع التي باتت ترى في الدين ما هو أكثر من إيمان، وهي مجاميع تمتلئ بها صفوف الحزب الجمهوري، خصوصاً أجنحته الأكثر يمينية.

الصور المتعددة لـ «الافتراضي»
على رغم أن كلمة «افتراضي» لا تكاد تصلح حاضراً إلا لما يُصنع في الكومبيوتر وعوالم الإنترنت والشبكات الرقمية، إلا أنه يمكن توسيعها قليلاً، لتصبح قريبة أيضاً من «الخيالي». ربما ليس هذا التقريب بدقيق، لكن يصعب إنكار وجود مساحات واسعة من التداخل بين الافتراضي والخيالي، على رغم عدم تطابق الأمرين.
ثمة شيء آخر. حضر «باتمان» إلى المخيلات عبر وسائط شتى، أولها الورق الذي استضاف شخصية «الرجل الوطواط» في مجلة ملوّنة خاصة. وراج «باتمان» كمسلسل تلفزيوني، بل ظهر أيضاً مع مساعده الشاب في مسلسل خاص. ثم جاءت سلسلة أفلام «باتمان» التي تتالت منذ تسعينات القرن العشرين. وبعد ذلك، ضجت الإنترنت بكمية وافرة من المواقع المكرسة للألعاب الافتراضية المستوحاة من شخصية «باتمان». لا حدود لحضور «باتمان» وشخصياته ونقائضه في الافتراضي، مع كميات هائلة من العنف. ويذكر أن مقتلة «أورورا» كانت قريبة جغرافياً من بلدة «ليلتون» (تبعد عنها 27 كيلومتراً)، التي شهدت مذبحة «ثانوية كولمباين» الشهيرة عام 1999. وفي هذه المجزرة، اتضح أثر الإنترنت، التي كانت جديدة على الانتشار الواسع. وتبيّن أن الطالبين اللذين نفذا مجزرة «كولمباين» كانا شديدي التأثر بالألعاب الافتراضية، بل أنهما خططا لما ارتكباه بوحي مباشر من الإنترنت والألعاب الافتراضية. ولحد الآن، لا ينطبق هذا الوصف على هولمز. وبصورة أوسع، هناك معاصرون كثر، ارتكبوا جرائم مشابهة لمقتلة «أورورا» من دون أن يكونوا تحت أثر شبكة الإنترنت، على رغم أنهم يعيشون زمنها. لم تؤثر الإنترنت في مرتكب مجزرة جامعة «فيرجينيا» في عام 2007، التي حضرت فيها أبعاد طبقية واجتماعية شتى. لم يلمس التأثر بالألعاب الافتراضية في مجزرة أوسلو، التي تتضمن الكثير من الأبعاد المتصلة بالأديان وانبعاثاتها وتطرفاتها، بل لعلها الأقرب إلى مقتلة سينما المركز التجاري في بلدة «أورورا».
هناك أمر آخر. وُصِف هولمز بأنه مستوحد وخجول وغير اجتماعي. وتذكر هذه الأوصاف بسلسلة ممن أسالوا دماء كثيرة، مثل تيموثي ماكفاي (مفجر المجمع الحكومي في أوكلاهوما في نيسان- أبريل 1995)، وعاصم حمود (اشتهر باسم «الذئب المتوحد»، قبض عليه بتهمة الإعداد لهجوم في نيويورك)، وزعيمي «القاعدة» أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وغيرهم. لعلها مصادفة. ولعل هذا الأمر تحديداً بحاجة إلى تحليل نفسي واسع.

ألعاب وتجارب سيكولوجية
عام 1976، صُنِعَت أول لعبة إلكترونية تتمحوّر حول ترسيمة العنف. وحملت اسم «ديث رييس» Death Race. وخلال العقود الماضية، تطوّر هذا الميدان في شكل سريع على مستوى الصورة والصوت، إضافة الى المضمون والإداء البصري والمشهديات المركّبة. وترك هذا التطوّر نتائج شتى. إذ أفادت تجارب كثيرة بأن استخدام خيار إبراز الدماء أثناء اللعب يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى أن زيادة النشاط الفيزيولوجي ترتبط بالارتفاع في العدائية. في هذا الإطار، أفاد غير اختصاصي في علم النفس، أن الأولاد الذين يمارسون ألعاب الفيديو بانتظام، ينطقون أسرع من غيرهم عبارات لها دلالات قاسية. إذاً هذه الألعاب تعطي دفعة لهذه الأفكار للبروز، ما يؤدي إلى نتائج متنوّعة، تشمل إعطاء أحكام مسبقة سلبية وعنيفة من قِبل ممارسي هذه الألعاب، في حال حصول سوء تفاهم مع الآخرين.
وسرعان ما ظهرت لعبة الفيديو «غراند ثفت أوتو» Grand Theft Auto، التي لم يتردد البعض في وصفها بأنها اللعبة التي تحضّ على تهديم الاخلاق. وحققت مبيعات خيالية في الأسواق. ولاقت إقبالاً من جمهور شبابي عالمي واسع. ولعلها أكثر الألعاب التي أثارت أسئلة حول إمكان تحريض إثارة ألعاب الكومبيوتر للسلوكيات العنفية. في المقابل، شكّك كثيرون في هذا الحكم. ومالوا للقول ان هذا النوع من الألعاب ليس سوى انعكاس للواقع المليء بالمشاكل العنفية. يذكر أنّ لعبة «غراند ثيفت أوتو» بلغت درجة كبيرة من الواقعية، بمعنى الشبه بين المحاكاة الافتراضية للكومبيوتر ووقائع الحياة فعلاً. وحفلت هذه اللعبة بكثير من الآفات الاجتماعية الموجودة في مدينة نيويورك مثل المخدرات والدعارة والعصابات والقتل وغيرها. بلغ هذا الشبه حدّ أن عمدة المدينة حينها، رودلفو جولياني، أدلى بتصريحات إعلامية انتقدتها بشدة بالغة، تعبيراً عن شدة استيائه من المستوى الاخلاقي للعبة، خصوصاً حضّها على العنف والجريمة واعتبارهما أشياء بطولية. وهناك نماذج أخرى من الألعاب التجارية كـ Suicide Bombings Game التي استعملت صورة كاريكاتيرية عن ياسر عرفات، فأظهرته كزعيم إرهابي يرسل الانتحاريين إلى مدن لقتل أكبر عدد من المدنيين.

تجارب
بيّنت تجارب على عينات مؤلفة من أطفال ومراهقين أميركيين يمارسون بشكل منتظم ألعاب الفيديو التي تحتوي على مشاهد عنف، أنّ السلوك العدائي عندهم مرتفع ضعفين عن أقرانهم. كما لوحظ ارتفاع هذه الأنواع من السلوكيات ضد أشخاص فعليين، كلما كانت الألعاب المستخدمة أكثر تطوراً، كأن تكون صورها ثلاثية الأبعاد. وفي هذا الشأن، أشار غير اختصاصي في الجهاز العصبي إلى أنّ هذا النوع من الألعاب العنفية قادر، خلال مدة لا تتجاوز العام، على تخفيض نشاط مناطق في الدماغ تتولى مسؤولية ضبط الأفعال العدوانية.
أما في ما يتعلق بالمقارنة بين البرامج التلفزيونية وألعاب الفيديو العنيفة، فيسود شبه إجماع علمي على أنّ الأخيرة هي صاحبة التأثير الأهم، بسبب ممارسة العنف لفترات طويلة وبتقنيات محددة. وبصورة اجمالية، من المستطاع القول انه عندما يصبح العنف صورة خيالية تمارس لعباً ولهواً بصورة مستمرة، يتأصل سلوك العنف تدريجياً بفعل فقدان الإحساس بفظاعة أعمال العنف بسبب تكرار مشاهدتها وممارستها، ولو وهمياً. وفي بعض التجارب الطبية على رؤية مشاهد من معارك وحروب فعلية، سُجّل انخفاض في درجة تهيج الجلد وتسارع نبضات القلب، عند من يمارسون العنف «وهمياً»، مقابل ارتفاعها عند الأفراد غير المنخرطين في هذه الممارسات.
أخيراً، يبدو أن التطور يتجه إلى جعل هذه الألعاب أكثر واقعية، ما يزيد من وقعها على المستوى السيكولوجي لأنها تشغّل الحواس، بل تستولي على هذه المدخلات العصبية التي تتصل مباشرة بالدماغ، ما يضاعف أثارها بطرق شتى. وللحديث صلة. 
                                                                   منقول من صحيفة الحياة 

الجمعة، 27 يوليو 2012

مدارات - غسان بن جدو: سقطات بشفاعة التمويل! .

أرسل اليَّ صديق عزيز، مقالة لغسان بن جدو، تتعلق بثورات "الربيع العربي" ناصحاً بأن اطلع عليها باعتبارها "مهمة" وهكذا كان. وبالفعل أذهلني ما كتبه هذا الإعلامي المُركّب، في نَصٍّ مطوّل ومُقعّر، مستفيضاً في الحديث عن جزئية يلتقطها هو، بميكروسكوب "فطنته" ويبني عليها حكماً شاملاً. ولكي يوحي بعمق التحليل، صاغ غسان حُكمه الشامل، بتحشيد بعض النادر والاستثنائي، من الألفاظ والمفردات، متوهماً أنه يداري بها خياره المذهبي والسياسي، المجافي حتى العداء، لثورة الشعب السوري حصراً. لكن الإعلامي المتخرج من مدرسة "الجزيرة" لا يسد ثغرات كثيرة، في آرائه المتصلة بالشخصيات التي جاء على ذكرها، وفي المواقف التي خرج بها من خلال قراءته للمشهد العام للأحداث، في العالم العربي عموماً، وفي سوريا على وجه الخصوص!
* * *
سأفسر هنا، وصفي لغسان بن جدو بأنه إعلامي مركّب. فليس ذلك من باب الانتقاص من مؤهلات الشاب، ولا من قدراته، ولا من باب المساس ـ لا سمح الله ـ بشخصه، من حيث هو صاحب حق في خياراته الاجتماعية والسياسية والثقافية. فغسان تونسي الأصل، لبناني المعايشة والتواصل، إيراني الخيار الشخصي الاجتماعي، خليجي التأهيل الإعلامي، اقترن بكريمة الكاتب المثابر محمد صادق الحسيني، الإيراني الفصيح بالعربية، والمستشار المُقدّر، لرموز الخط الإصلاحي، أو المعتدل، في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والرجل (محمد صادق الحسيني) كان معنا في حركة "فتح" لفترة طويلة!
جمعتني ذات يوم، مائدة غداء مع غسان وحماه محمد صادق الحسيني وفيصل القاسم ومحمد جاسم العلي المدير العام التنفيذي الأول لقناة "الجزيرة". كان انطباعي عن غسان والحسيني طيباً، وقد نقل اليّ الأخير، بعد الغداء، رسالة شفوية حانية ومؤيدة للرئيس الشهيد ياسر عرفات. وقد عرفت أنه جاء من أجلها الى الغداء. وكان مؤسفاً أن يقع غسان بن جدو، في العديد من الزلات الأخلاقية والسياسية، في مقالته المثيرة للدهشة.
ملخص مقالته، التي يوسع فيها حقل التحليل لكي يشمل الثورات العربية برمّتها، لكنه يهدف الى ذم الثورة السورية حصراً؛ هو أن "الربيع العربي" افتقر ويفتقر على نحو فادح، الى الفلاسفة والأدباء والمفكرين، وبالتالي فإن ثورات هذا الربيع "المزعوم" هي مجرد هوجات رعاع، ليس لهم بوصلة إلا غرائزهم. وفي السياق، يُجهد غسان نفسه، على حساب كياسة وأدب أعهدهما فيه، فيتناول بعض الأسماء بالتوصيف، وبالتسطيح الجزافي لتجاربهم وقدراتهم، لكي ينفي وجود مفكرين أو مثقفين وراء الثورة السورية. بل إن برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع السياسي في واحدة من أعرق جامعات العالم (السوربون الفرنسية) بات في مقالة غسان، شخصاً تافها خسر نفسه، وارتضى أن يتسلم راتباً من "الاعرابي" الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر، حسب زعم الكاتب.
ربما يُثير وصفي لبعض النقاط في مقالة غسان، بأنها سقطات أخلاقية؛ فضولاً لدى قارئي الكريم. لذلك سوف أركز عليها: ففي الفقرة الأولى من مقالته المقعّرة، يبلغنا الفيلسوف غسان، الناظر الى تطورات الأحوال في العالم العربي من فوق برج عالٍ؛ أنه ـ بسلامته ـ لم يكترث للوم الكثيرين له، على تجاهله للثورات. وهنا، له مطلق الحرية في أن يُعلي من شأن رأيه الذي يتعطش الى سماعه كثيرون حسب قوله. لكن الجارح والصادم، هو قوله أن سبب لوم الآخرين له، كان إصراره على إشاحة نظره عن الثورات العربية بازدراء. ويبدو بن جدو هنا، وهو المتلطي بمنطق المقاومة التي يبذل أبطالها أرواحهم، من أجل الناس ومن أجل كرامة الآدميين؛ يُشيح نظره عن عنصرين من شأنهما إثارة حواس الجماد وليس الإنسان الطبيعي المحايد وحسب: نحو عشرين ألف ذبيح عربي، من الأطفال والشيوخ والنساء واليافعين، ومئات الميادين في مئات المدن والبلدات والقرى، وألوف الشوارع التي غُصت بالمتظاهرين سلماً، تطالب بإسقاط النظام. فعلى امتداد سطور مقالته، ليست هناك إشارة لموقف الشعب السوري، وهذا غض طرف متذاكٍ من جانب غسان، غايته رفع الحرج عن نفسه بعد انتصار الثورة السورية، إذ سيُتاح له أن يعيد تفسير مقالته، بأن انتقاده الفاقد للحد الأدنى من التهذيب، كان للطبقة السياسية المؤيدة للثورة، وليس للثورة نفسها، بمضمونها الاجتماعي والطبقي والثقافي. 
من بين السقطات الأخلاقية أيضاً، كان التوصيف البذيء لأمير قطر وحتى لـ "الجزيرة" التي لولاها لما كان غسان بن جدو إعلامياً معروفاً. كثيرون يركزون في موضوع الثورة السورية على أمير قطر. ونسأل غسان بن جدو باختصار: لماذا لم يكن أمير قطر مجرد "اعرابي" مذموم، عندما تكفل بإعادة بناء ما دمرته آلة العدو الحربية في حرب تموز 2006 على لبنان، وكان الضحايا والمهدمة منازلهم، من بيئة غسان بن جدو التي تعاطفنا معها جميعاً، يُجزلون الشكر لله وللشيخ حمد ويرفعون صوره؟ ولماذا لم يكن الرجل اعرابياً، عندما كان صديقاً مقرباً لبشار الأسد؟ ولماذا لم تكن "الجزيرة" شيطاناً، عندما أتاحت لغسان دون سواه، أن يُجري المقابلة الطويلة الأشهر عبر الشاشة الأشهر، مع بشار الأسد نفسه؟!
طبيعي أن تكون المواقف قابلة للتغيير، لكن الشاذ وغير الطبيعي هو أن تنقلب تماماً على مستوى توصيف كينونة الأشخاص والأصدقاء السابقين وجهات العمل السابقة، وعلى مستوى نظافة الدراهم. ومن غير الأخلاق أن يسمح إعلامي محترم لنفسه، بعد أن ترعرع في "الجزيرة" وقبض من ريالاتها، بأن يعيّر استاذاً مرموقاً في جامعة السوربون، بعد أن يختلق له راتباً يقبضه من قطر، بينما الرجل لا يقبض راتباً إلا من عمله في السوربون! 
غسان بن جدو، في سياق محاججته بأن لا عقل للثورة السورية، يعيب على عزمي بشاره النطق بجملة أفلتت قبل بث برنامج معه، ويعد هذه الجملة سقطة أجهزت على عزمي، مثلما تُجهز الضربة القاضية على ملاكم. هو يريد شطب عزمي بشارة، بجريرة جملة عادية، يطلب فيها من المذيع، أن لا يتعرض لبلد معيّن، وهذا مفهوم ومتبع في العمل السياسي والإعلامي. لكن مشكلة عزمي الحقيقية مع بن جدو أن الأول بات من مؤيدي ثورة الشعب السوري. كان عزمي عند بن جدو وسواه من معسكر الطنين، بلبلاً يغرد، ومفكراً لا يُشق له غبار، لسبب بسيط وهو أنه أظهر وداداً للنظام السوري وإعجابا ببشار. الآن اختلف الأمر، وفي اختلافه تتكشف مستويات الأخلاق، وتنفضح ضآلة الضمير وغيبة الموضوعية. 
* * *
ذروة النص المقعّر، الذي كتبه غسان، تحاول إقناعنا بافتقار الثورة السورية للفلاسفة والمفكرين والأدباء. ولكي يصل الكاتب الى مبتغاه، يتعرض لأشخاص ويقلل من شأنهم. بل إنه في الإشارة الى القاضي مصطفى عبد الجليل في ليبيا، يرمي بملاحظة أظن أن "السيّد" سيلومه عليها، ليس إكراماً لمصطفى عبد الجليل، وإنما إدراكاً لطبائع المرحوم معمر القذافي. فمن بين ضحايا القذافي الشيخ والمرجع الشيعي موسى الصدر وصحبه. فمصطفى عبد الجليل، في مقالة غسان بن جدو، هو "مصطفى عبد الذليل" ولا ندري من أين جاءت المذلة في واقع ليبيا الجديد، وحيثما بدأ متسلمو مسؤوليات الحكم، يزرعون في أرض، حَكَم عليها القذافي لأكثر من أربعة عقود، بالتصحر السياسي والثقافي مع الانتعاش العشائري. ويبدو أن غسان، مثل كثيرين سواه، يريد جعل المثال الليبي سبباً للدفاع عن الحكم في سوريا. ربما كان الأفضل عندهم، بدل سيرورة التاريخ الجارية حثيثاً الآن في ليبيا؛ أن يمحو القذافي بمنظومة صواريخه، بنغازي وأهلها، ومعهما كل البؤر المنتفضة، فينتصر ويعود قائماً فوق أشلاء الناس وعذاباتها!
وللأسف، ينم سياق حديث غسان، المتعلق بما يراه افتقار ثورة السوريين الى ذوي العقول المنظمة التي تمتلك الرؤية؛ عن جهل بتاريخ سوريا المعاصر. ربما ينطبق توصيف غسان للوضع السوري، على "الثورة الإسلامية الإيرانية" وليس على سوريا. فإيران، منذ ثورة البطل القومي محمد مصدق في آب (أغسطس) 1953 لم تشهد إرهاصات ثورة، ولا شهدت تشكل حالات ضاغطة ومؤثرة، في المجتمع المدني، لتغيير مسلك النظام الشاهنشاهي المستبد. وعندما انتفض الشارع ـ مثلما ينتفض الشعب السوري اليوم ـ لم تكن ثمة منظومة فكرية، قادرة على تأطير الحركة الشعبية، سوى تلك التي بين جنبيْ آية الله روح الله الخميني. والمرحوم الخميني لاقى من يبجلونه ويعدونه مرجعاً لكل ثورة، لا يأتيه الباطل من يمين ولا شمال. أما روح الله، المسلم السني العربي، أيّاً كان، فلا جدارة له ولو حفظ الفقه، على كل المذاهب، عن ظهر قلب. بل أصبح من أهم واجبات الحركة الوطنية السورية ومعها ثورات "الربيع" العربي، دحض "تهمة" المرجعية الدينية ودولتها عن الحراك الشعبي. صار كبار شيوخ الحركات الإسلامية السنية، أنفسهم، يتماشون مع الزمن، ويخففون من هواجس الآخرين حيال الإسلاميين، وباتوا ينطقون في خطابهم العلني بالمدني قرين العلماني، في توصيف الدولة. فلو أحصينا عدد الحركات الإسلامية والعلمانية المعارضة التي مرت في تاريخ سوريا المعاصر، ورجالاتها من الأدباء والمفكرين والنقاد، ومن متعاطي كل أنواع الفلسفات من المجتمع المدني السوري، الذين لاقوا العذابات وتعرضوا للبطش، وسجلوا أرقاماً لموسوعة غينيس في عدد سنوات السجن؛ لاكتشفنا أن "الثورة الإسلامية الإيرانية" التي هي أكبر "رأس" عند غسان بن جدو؛ ليست بالقياس، إلا تجربة دروشة ودراويش ملبسّة بالنووي، وقد بات المجتمع الإيراني يتبرم منها، لأنها غير ذات نسق ديموقراطي أو عصري أو مدني!
لا مجال للمزيد من الأمثلة. ولكن لا يحق لغسان بن جدو، أن يدافع عن وضعية التمويل السخي لقناة يريدها منافسة للشاشات الطاغية؛ بالتعبير عن إزدرائه لثورة سوريا، التي تواجه السلاح الثقيل باللحم الحي، وأثبتت أنها أعتى من النيران ومن الجلادين. فلو كانت هذه ثورة رعاع، وتمردات مجاميع تحركها غرائزها، وليس لها عقول، ولا مفكرين وأدباء وراءها؛ لما ازدادت إصراراً كلما ازدادت النار المصبوبة عليها سعاراً. ففي علم النفس، هناك زمن قصير، محسوب، لحركة الغرائز. بضع ضربات بالكرابيج على أقفية بضعة هائجين بغرائزهم، ينتهي الموضوع. فعيب على غسان أن يكتب مثل هذا الكلام وعيب أكبر، أن يشيح بنظره عن ضحايا الشعب السوري، وهم شهداء من أجل الحرية. ستنتصر الثورة السورية، وسيطل غسان عبر قناة إيرانية لا يتابعها أحد. عندئذٍ سيقلقنا السؤال: ماذا سيصنع غسان إن انتصر الشعب الإيراني وانتزع حريته؟ أم إن أخانا، يظن بأن الاستبداد في سوريا وإيران هو الذي سينتصر، وستُفتح البحرين، بمرجعية فلسفية أدبية وعقائدية خمينية؟ عجبي! 



                                                                عدلي صادق 

"لك القرار" يعرّف بالإسلام في أولمبياد لندن

 أطلقت جمعية فهد الأحمد الإنسانية الكويتية مشروعها الدولي لنشر الإسلام في أولمبياد لندن 2012 وتعريف المجتمع الغربي بسماحة الدين الإسلامي.

وقال مدير العلاقات العامة في جمعية فهد الأحمد الإنسانية عيد الصمادي "إن مشروع توزيع كتاب "لك القرار" يهدف إلى التعريف بالإسلام وإبراز صورته الحقيقية للمتواجدين في دورة الألعاب الأوليمبية، والإجابة عن الشبهات، والتساؤلات المثارة ضد الإسلام والمسلمين، ومد جسور التواصل مع أهم الشخصيات العالمية ومساعدة الجاليات المسلمة في الدول الغربية على التمسك بأحكام الإسلام، وتكوين ثقافة واسعة تبين لهم عظمة الإسلام وسماحته،وتدعم المراكز الإسلامية والمؤسسات الحكومية والمكتبات العامة الغربية بكميات من الكتب تبقى رافدا مهما لكل باحث عن حقيقة الإسلام على مر الزمان.

وأضاف أن كتاب "لك القرار" يمتاز بمخاطبة العقل حيث إن المجتمع الغربي مجتمع يعظم العلم والعقل، لافتا إلى أن هذه ميزة كبرى تفتقدها الكثير من الكتب المعاصرة، مضيفا أن الكتاب زاخر بالبراهين العقلية والإحصاءات الموثوقة والحقائق العلمية ويجيب عن أهم المسائل والشبهات الشائكة المثارة ضد الإسلام بكل موضوعية ومصداقية ولا يملي على القارىء أي قرار، وإنما يذكر له الأدلة التي تجعله يتخذ قراره بالإسلام أو يصحح نظرته عن الإسلام بأسلوب وسطي معتدل.

ولفت الصمادي إلى أن استراتيجية التوزيع تنطلق من خلال عمل معارض خاصة للتوزيع، وذلك بالتعاون مع مؤسسة "اكتشف الإسلام "البريطانية لتوزيع الكتاب على الزائرين والمستفيدين، كما سيتم إرسال الكتاب لعشرة آلاف شخصية عالمية مؤثرة من مختلف دول العالم على عناوينهم الخاصة بعد نهاية الدورة الرياضية، بالإضافة إلى دعم مراكز الجاليات المسلمة الغربية.

لو أكل نيوتن التفاحة ولو غسل فلمنج طبقه العَفِن.. لتأخرت العلوم عشرات السنين


هناك كم هائل من الأسئلة حولنا التي لم نلحظها ولم نجهد أنفسنا بالبحث عن أجوبة لها، أسئلة قد تبدو للوهلة الأولى بدهية، ولكنها تحظى بتفسير علمي عميق، مثل السبب وراء زرقة السماء، أو كون القمر أبيض رغم أنه يعكس ضوء الشمس الأصفر، أو السبب الذي يجعل الكواكب مجبرة على الدوران حول الشمس، وكيف بدأ الكون.. وغيرها من الأسئلة..
إن هذا التفكير العميق للعقل عبارة عن تفاعل مع الواقع والخيال، وقد انتج كثيراً من العلوم والاكتشافات التي نشهدها اليوم، ولعل هذا التفاعل يطلق عليه مسمى التساؤل، أي أن العقل يستفهم ويستفسر عن ماهية الأشياء وفلسفتها وخلفيتها العلمية.. إن هذا النوع من الحيوية العقلية هو ما يتميز به الأطفال، حيث يسألون بشغف ويبحثون عن الإجابة بأيديهم وتجاربهم الخاصة، ولكن هذا الشغف المعرفي يختفي شيئاً فشيئاً عندهم، إذ ينمو لدى الأطفال ـ فيما بعد ـ حالة من الخوف من السؤال، بسبب تذمرنا منهم وقمعنا لتساؤلاتهم، والسبب يكمن في عجزنا عن توفير إجابة صحيحة عما يطرحونه، فنهرب أمامهم من مواجهة جهلنا بقمع التفكير لدى الطفل ومنعه من السؤال، وبالتالي تحطيم مجاديف عقله الحر.


إن الأطفال مفكرون صغار، يجب أن يتم أخذ أفكارهم وأسئلتهم بعين الاعتبار وعلى محمل الجد، في المدرسة وفي المنزل، فذلك كفيل بأن يصنع منهم عقولاً مبدعة ومنطلقة تخدم البشرية، والذي يحدث مع الأسف أنه مع تقدم الإنسان في السن وبسبب القمع الفكري الذي يواجهه في مجتمعه، تقل تساؤلاته وكأن العلم مخصص لمرحلة عمرية دون غيرها، أو كأن السؤال يجب أن يكون دقيقاً ومحدداً وواضحاً، وغير ذلك من الشروط والمواصفات والهالات، لدرجة تجعلك تقرر الصمت، حتى بتنا نخجل من إجهاد عقلنا بالتفكير بشكل علمي لنستشعر مدى غموض الكون ومدى جهلنا.
نقطة انطلاق الإنسان وتحوله إلى إنسان مفكر وعالم ومبحر بالمعرفة، هي السماح للعقل بالتساؤل وإعطاءه أجنحة تحلق به إلى فضاء أوسع. عرف علماء النفس السؤال على أنه مجموعة من العمليات العقلية حيث يستخدم الإنسان ذاكرته وذكائه وخياله.. ذاكرته من أجل الاستفادة من خبراته وتجاربه وربطها بالموضوع الذي يتساءل حوله، وعنصر الخيال مهم في عملية السؤال من أجل تكوين فرضيات حول الموضوع قد تحتمل الصواب والخطأ، أما عنصر الذكاء، فهو يضمن أن يتم بناء الفرضيات على أسس منطقية ومثبتة، ومن هذا المنطلق يكون السؤال هو اللبنة الأولى لأشهر النظريات العلمية والابتكارات والاختراعات.. ولا مبالغة في القول إنه يبني الحضارات ويطور الإنسانية.


خطوات العلم
المنهج العلمي عبارة عن عدة خطوات يتم السير عليها للوصول إلى نظرية علمية صحيحة، وهي: الملاحظة، حيث يتم إدراك حقائق محددة. والفرضية، وهي عبارة عن تكوين فكرة حول الطبيعة العامة للظاهرة التي تكون تحت مجهر البحث. والتنبؤ، حيث يتم توقع حدث مستقبلي بما يتلاءم مع الفرضية. وأخيراً، التجربة وهي إجراء اختبار لمعرفة ما إذا كان التنبؤ صحيحاً أم لا.. وهذا التسلسل معروف ويتم تعليمه، ولكن إلى جانب هذه الخطوات الأربع يعتبر كثير من العلماء إن طرح التساؤل أو المشكلة، ومن ثم البحث عن الجواب هو من أبرز وأهم الخطوات في المنهج العلمي، فهو الطريق الذي يؤدي للخطوات الأربعة (الملاحظة، الفرضية، التنبؤ، التجربة). يقول مؤلفا كتاب “أهم خمسة أفكار في العلوم” تشارلز وين وآرثر ويجنز: “يرى البعض أنه لا يوجد منهج واحد منفرد للعلم، ويقولون إن مثل هذه المناقشات تجعل الأمر يبدو كما لو كان المرء يمكنه بسهولة تطبيق هذه الخطوات بالترتيب للتوصل إلى اكتشافات وحل أي مشكلة عليمة، في الحقيقة إن العلم لا يبدأ بالملاحظات أو الحقائق ولكنه يبدأ بالمشكلات”. ومن هنا، يتبين أن طرح السؤال وإدراك المشكلة أهم بكثير من الخطوات العلمية التي تسمى بالمنهج العلمي، وأن البحث عن إجابة السؤال كفيلة بإيجاد نظريات علمية واختراعات دون الحاجة للخطوات الأربعة. والذي يدعم رأي هذان العالمان هو قصة العالم الكيميائي دالتون الذي اكتشف الذرة، حيث يقول جيكوب برونوفسكي في كتابه “التطور الحضاري للإنسان” حول بداية دالتون في اكتشاف الذرة: “كان دالتون رجلاً ذا عادات ثابتة، لقد ظل يخرج كل يوم سائراً من مانشستر سبعة وخمسين عاماً. كان يقيس معدل سقوط الأمطار ودرجة الحرارة، وكان عملاً مملاً جداً، ومن كل هذا الكم من المعلومات لم يخرج بشيء إلا بسؤال واحد دقيق يكاد يكون صبيانياً، وقد كان السؤال عن الأوزان التي تدخل في تركيب الجزيئات البسيطة، وعن هذا السؤال ظهرت النظرية الذرية الحديثة. هذا هو جوهر العلم، اسأل سؤالاً لا علاقة له بالموضوع تكون على الطريق لإجابة وثيقة الصلة بالموضوع”.
تفاحة نيوتن
ولعل السؤال الأكثر شهرة في التاريخ والذي غيّر مجرى التفكير الإنساني برمته، يتلخص في القصة الشهيرة للعالم اسحاق نيوتن الذي جلس تحت شجرة التفاح فسقطت عليه واحدة وتساءل ببساطة: لماذا سقطت التفاحة بدلاً من أن تطير في الجو؟! ألا يبدو هذا السؤال سخيفاً وغبياً! ومن هنا نبع أشهر قوانين الفيزياء على الإطلاق وهو قانون الجاذبية.. والذي ينص على أن كل جسم له قدرة على جذب الأجسام الأخرى له وتزداد قوة الجذب كلما زاد حجم الجسم. لو أن نيوتن اكتفى بأكل التفاحة بدلاً من التساؤل الذي قد يراه البعض غبياً لتأخرت البشرية عقوداً طويلة في الوصول إلى لتطور الحضاري الذي نعيشه اليوم. إنها الأسئلة التي نعتقد أنها بسيطة أو كما يطلق عليها البعض الأسئلة الغبية هي تلك التي غيرت وجه الأرض ونقلت الإنسانية نحو التطور والرقي..
ومع الأسف، فإن في الوطن العربي هناك محاربة بطريقة أو أخرى للسؤال، أو محاولة وضع شروط ومتطلبات، وهذه حالة معروفة في الأروقة العلمية في الجامعات، فلا تذهل من تذمر أحد أعضاء هيئة التدريس من أحد طلابه ووصفه بأنه كثير الأسئلة، وبالتالي قمعه أو الطلب منه بشكل واضح وصريح أن لا يسأل، والحالة أكبر في مراحل التعليم الأولية حيث ينشأ أبناؤنا مقموعين خائفين من السؤال، وهو ما يعني عدم التفكير، وعدم التحليل، وعدم إطلاق ملكات العقل بكل حرية وعفوية. لكن لو تم إنشاء وتربية هذه العقول على التساؤل والاستنتاج وملاحظة الحقائق والأحداث، فإنهم من دون شك سيكبرون ويكون لهم أثر بالغ، وهذا ما فعلته الحضارة الغربية في بداية انطلاقها، حيث عودت التلاميذ على التساؤل وطرح المشكلات والصعوبات دون خوف أو تردد؛ ولذلك ظهرت اكتشافات واختراعات لعلماء كان الأساس الذي انطلقوا منه هو السؤال.
بنسلين فلمنج
ولعل قصة الدكتور الكسندر فلمنج الذي اكتشف البنسلين خير دليل في هذا السياق، حيث لاحظ وجود عفن أخضر اللون بدأ بالنمو في إحدى الأطباق، وقد قضى على الجراثيم التي كان فلمنج يجري تجاربه عليها، عندها تبادرت لذهنه عدة استفسارات عفوية وبسيطة مثل: كيف يقضي هذا العفن على الجراثيم؟! وبدأ بالبحث حتى توصل في عام 1929 إلى أن هناك مادة تبيد الجراثيم، تدعى البنسليوم، وبالتالي تم اختراع المضاد الحيوي الأشهر والمعروف لدينا الآن وهو البنسلين. ولو أن فلمنج اكتفى بغسل الطبق لتأخر هذا الدواء عشرات من السنوات!
غني عن القول إن المجتمع الذي يتقبل السؤال هو مجتمع واثق من نفسه ومن قدراته ومن علومه، ولعل الصورة تكون أوضح للمجتمع برمته عندما نشاهد أحد الآباء أو الأمهات وهم يلجمون أسئلة طفلهم العفوية الصريحة المباشرة، بل يزجرونه وفي أحيان يعاقبونه، وهذه الصورة من الأسرة هي نتاج لثقافة المجتمع ومعرفته ومدى تعلمه، وإن كنا ولله الحمد في مجتمع معرفي، إلا أن الحال مختلفة مع الأسف في كثير من البلدان العربية..
ويبقى السؤال هو الوسيلة التي تحرر عقل الإنسان وتدفعه نحو التفكير والاختراع والابتكار.. فلنكن إذن، أناسا متسائلين.. ولنكن أيضاً مندفعين في البحث عن الإجابات، ولنعطي التعليم الأولي الاهتمام الكافي والعناية الكبيرة، ولتكن البداية بإطلاق حرية السؤال لأطفالنا ولنعودهم على البحث والتقصي والسعي نحو المعرفة والاكتشاف.. وسيبقى السؤال مفتاح العلوم وبداية كل تطور، فلا نسيء الظن 
بمن يسأل.. ولا نغضب عندما لا نعرف الإجابة أو نتذمر بل نسعى نحو معرفتها.



                                                                                                              فاطمة المزروعي