فصل من رذاذ الأمكنة جائزة أبرا -القاهرة للتميز والإبداع الأدبي سبتمبر 2010
اندلعت الحرب ،لكنها كانت قد اندلعت منذ الأزل، ولعلها سوف ترافق الإنسان إلى الأزل...الملامح والقرارات والمواقف جدّ متباينة ...جدّ محتدمة، وأحيانا بل نادرا متضامنة منسجمة.
العرب في حالة حرجة في صمت عاقل أو عقل صامت، النتيجة واحدة...الأطفال والمدنيون يدفعون ضريبة التشرذم والرّواسب...
الحالة متغيّرة والطّوائف كثيرة تتجاذبها الآراء والمصالح والصّدام على أشدّه على الميدان...
كنت في قاعة المؤتمرات وقد وجدت فتاة تحاذيني في المجلس فحييّتها حتّى أبعد شبح الوجوم عن الجلسة:
- أهلا...
- أهلا
- أنا عربيّة
- أنا أيضا عربية
- حديثة عهد مثلي بالتحليل السياسي
- حديثة عهد باللقب لكن أستطيع أن أبرهن عن جدارتي
أبتسم وأشعر أنّ الوحدة والوحشة المستميتة في التشظيّ بدأت تتقلّص:
- هل عندك علم بجدول الأعمال؟
- الآن سيوزّع علينا...لكن قبل ذلك هل سمعت بأنّ الحرب قد اشتعلت والعالم في لحظة استوت فيه القيم والقوى على حدّ سواء، وأنّ العدوّ اللّدود قد تطاول في البنيان ينتهك حرمات أوغلت في الحضارة ضاربا بعرض الحائط المندّدين والمناوئين وكلّ قوّة تقف ضدّ أطماعه...
- من أين لك هذه المعلومات؟
- طبعا وسائل الإعلام على كثرتها لا نجد هنا متسعا لمشاهدتها
- وإذا؟ !!!
- لقد قدم وفد متأخّر البارحة و تنو قلت أخبار متضاربة عمّا يحدث هناك...لكن الحقيقة الوحيدة الثابتة أنّ الضحايا بشر عزّل، ليس لهم سوى مجرّد شعارات حماسية يردّدونها عندما شاهدوا القصف يعصف بهم وبوجودهم على مشارف مواطنهم، ولا شيء ينبئ بالأمل أو الحياة غير أصوات هنا وهناك تدعوا إلى التحرّك...
أنسلخ عن الجموع...عن القاعة الفسيحة المكيّفة وقد اقشعر بدني ...الحرب في يومها السّادس...والرّسام لم يهاتفني بشأنها. و وآخر يماطلني و لا يحدّثني في الخطب.
الأصدقاء كلّهم على اتّصال يكاد يكون بشكل يوميّ معي والصّحفيّون الذين أعرفهم؟...
ألهذا الحدّ وقع هذه الحرب مخالف إلى درجة أنّهم ابتلعوا ألسنتهم؟ !!
شعرت أنّ الحياة لا طعم لها ...وفي كلمة انتفى الإحساس بأيّ شيء...بكلّ شيء...
أسرعت نحو الخارج...لاحقتني سماح بملّف المواعيد المقرر للجلسات
نبّهتني إلى ضرورة الالتزام بالمواعيد حتى تكون الاستفادة والتغطية شاملة...الكلّ له نفس الدّرجة من الإحساس بحدّة وقع النّازلة، لكن ليس لهم نفس الدّرجة من المقاومة والصّمت...أو حتى المواجهة.
خضّني الإعصار...
العرب عبر جلّ القنوات في تظاهرات صاخبة... الفنّ وأهله في حالة هيجان...الاجتياح نقطة أفاضت حقدا كامنا داخل الأغوار ،والخوف من المصير يلجمه...ضغطت على الزّر...انقطع البثّ ...
هزئت للواقع... للفاصل الذي يمنعني عن التعامل الفعلي مع الواقع...فالزرّ الآلة الوحيدة التي بإمكانها توجيه إحساسي ومواقفي مع أو ضدّ من يحكم عليه العالم بالمجرم أو الضحيّة...حزنت لكن أحجمت، ما جدوى الحزن في ظلّ ظروف كهذه هل يمنع الحزن سفك الدّماء...خربشت في أوراقي .القصائد؟ ... أين القصائد؟... قد تكون السّلاح الوحيد لديّ في منأى عن الأحداث...
هاتفت عديد الصّحف هناك في الوطن...لكنّ الأجواء الصيفية عكرّت المزاج الثقافي ،وبالكاد تجد دوريّة أو مجلّة تعنى بالشّعر أثناء فترة الاصطياف.
تأزّم داخلي أكثر...ثم خمّنت...لفّني الظّلام ...المستقبل...وأشياء غامضة لم أستطع تفسيرها .
تقدّم الليل ثقيل الخطى،باهت الملامح. ضمّني الصّمت ضغطت الزرّ من جديد،تأمّلت المجازر المنتشرة وطلقات المدافع، الصّوت الوحيد الذي يعتلي كلّ الوقائع... كلّ القرارات...يشرخ صمت الأمّة وصمت المجتمع الدّولي العاجز...
يوم آخر يشرق على عالمي العاجي في اليونان، الأشياء حولي على حالها متداخلة حانقة وكأنّها تواسيني ، ذلك شعور يعترينا كلّما ولجنا الظّلام...اعتادت الأجساد الاقشعرار... والعقول انسجمت مع شتى التحوّلات لا سيّما الحاليّة الغامضة على وضوحها في شتى الأذهان حتى لدى تلك النّفوس الصغيرة النقيّة...
واقع الأمّة مر بك حدّ الانهيار، لكن أسباب التصدّع هذه المرّة فيها ما يبعث على المفارقة.
ولم لا نجازف فنقول الأمل؟، ذلك أنّ الأمّة ومنذ خمسين سنة لا طعم داخلها لغير الانتكاسات والهزائم أمام العدوّ القابض على الأنفس...
يشرخ الصّمت داخلي يؤنبّني كياني …شهاداتي العلميّة… دمي ... بل إحساسي ... فأشعر الانهيار ويستبدّ بي القلق...
تطؤني الذكرى...الأمجاد...لعلّ كلّ عربيّ في مكاني يشعر بهذه المفارقة الوجدانيّة: ابتسام في الدّاخل لأنّ هناك من نهض رغم طغيان الظّلم وتجرأ بالحقّ، وأثبت للعالم أنّنا أمّة موجودة رغم اختلافنا
وتخلّفنا ،ولكن قلبي موجوع. فالمدنّيون والأبرياء يسقطون رغم أنّهم لم يختاروا بلدهم كما لم يختاروا أو أجبروا على اختيار حكّامهم، تلك هي المفارقة المروّعة...دمار يردّ عليه بدمار وحياة تفرض نوعا همجيّا من التّعايش وملل ونحل تتعالى أصواتها لا نعرف أين تقود العالم.
شذبني التأمّل...التّصّدع...
الهول أشلاؤه متعدّدة. قد يخرس الألسن والعقول لكن التاريخ كالآلة التي لا تتعطّل تطحن الأحداث تافهة كانت أو مرعبة.
نظرت من خلال النافذة رجل و آخر فتاة وأخرى طفل وآخر يتجمعون ،يندّدون، يرفعون جملا
وصورا .وآخرون يحملون أشكالا غريبة ،إنّها أشبه بجنازة. إنهم متظاهرون شرخهم الوجع فاندفعوا في سيلان يستردّون للإنسانية بعض ماء وجهها...
اندفعت ...الصّوت واحد لأنّ الإنسانية واحدة وإن تغلغل الحقد في طيّاتها
وكثرت أدواتها القامعة ...
كانت المظاهرة بدائيّة الشكل ،وسيلة لامتصاص الغضب الذي تعلّب داخل الأنفس، وهدّد بالانفجار نتيجة ما يتفنن الإعلام في عرضه على الأعين... ولجت الجموع أصرخ بأعلى الحقد... تلسعني عبارات انقليزية where are the arabic " « israel is criminal » فيدوي صوتي العربيّ المصدوم "الله أكبر" سحقا للغزاة فجأة التفت حولي الأصوات، واحد وآخر يقلّدون اللّهجة في لكنة أجنبيّة واضحة لم تمنعهم من أداء المعنى...ذلك أنّ الحقّ يتحدّى كلّ الفر وقات...
تكتلت الأصوات فاحتشدت قوّة مروّعة تجهز على المتظاهرين الذين لا يملكون غير أصواتهم، كانت الأشياء غامضة شأنها شأن المواقف والمصالح.
دفعني جندي مسلّح فوقعت و تحدّر الدّمع الغزير...كنت أدرك أنّه ليس نتيجة الدّفع والسقوط
لكنه كان وليد إحساس لا يشعره غير عربيّ في وقت تقصر القيم والمحدّدات عن تصنيفه...
... خيرة خلف الله
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفشكرا لخضر لهذه العناية بحرفي المتواضع
ردحذفلا أنسى أن أنوه باللوحة الجميلة للرسام العراقي علي خضر الموسوي والتي كانت هدية منه إلى الثورة التونسية
بل كل الشكر لكي ...
ردحذفوكم أود أن تشاركي معي في هذه المدونة وتنشري فيها أشعارك وقصصك ..