كنا في منتهى الدعة والسكون والنعيم وراحة البال حتى أهاجنا هجو بلغنا من الأخ والصديق الجنيدي طالب أبو فاروق، يفخر فيه بأهل قفصة عن أهل صفاقس.. فهذا قوله وعليه رددنا، فاستأصلنا شأفته وأبدنا خضراءه.. والحرب بيننا وبينه سجال: يوما لنا ويوم عليه.. (ههههه)
Jounaidi Taleb تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. إعلم يا أخي الصفاقسي – حفظك الله وأيدك بحبل من عنده ومن عندنا أهل قفصة – أنك واسيت وكفيت، وأويت ونصرت، والله يا معشر أهل صفاقس، ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في بني جعفر:
جزى الله عنا جعفرا حيث أشرفت**** بنا نعلنا في الشارفين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا****إلى غرفات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا**** تلاقي الذي يلقون منا لملت
فرباطنا، جعلني الله وإياك ممن يقول الحق ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه، ليس رباط دم، ولا رباط لون، ولا رباط تراب، وإنما هو رباط لا ينفصم، ولا يتقطع، ولا يموت، ولا يمرض، رابطة تصل الدنيا بالأخرة، فهي ليست قفصية، ولا صفاقسية، ولا إشتراكية، ولا قومية، ولا بعثية، ولا ناصرية، ولا شيوعية، ولا حراقية، ولا فيسبوكية، وصدق الله القائل:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
إعلم، أيدك الله بروح منه، أن بينا وبينكم نسب، وكلان من العرب، فزوجة أخي صفاقسية، تزوجها وهو في العسكرية، فأنجبت له خمسة صغار، وهو مرابط يحرص المطار. فما ضر أهل صفاقس إن قلنا إنا نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء، وأنباء النجباء، ومنا الدعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، ويجند الطلاب ويزج بهم في الغابة، فنحن فتحنا البلاد، وأبدنا العدو بكل واد، ونحن أهل القائمة الزرقاوية، والدولة الإفتراضية، وأصحاب هذه الدعوة الفتية، فلا يسكتنا الحمص، ولو ملكتنا على بلاد الشام وحمص، ولا يغرينا حزام قديد، ولا جبل من ذهب أو حديد. فأعلم – أبا مالك - أن من عندنا هبت الريح.
وزعمت أني حملت سيدنا أدم ما لا يحتمل، بأن نسبته إلى قفصة خير الأمصار، وأجمل الأقطار، وقولته ما لم يقل، وكان قصدك معروف، وهدفك مكشوف، فيضن الناس أن الزرقاوية ليس لها أمانة، فتحجب عنا سمانا، وتفرغ قائمتي من مناصرين، وأنصار ومهاجرين، وعمالقة وحواريين.
فأقول، وعلى الله التكلان: قولك ظاهره حق، وما نطقه إلا بعض الحكماء مثلك، ولكنك نسيت، فقد علمت أن النسيان متسرع إليك، فسيدنا أدم عليه السلام مجيد للعربية، محب لها، مدافع عنها، ضارب عنق من ذمها وهجاها، فكان صلى الله عليه يتكلم العربية في الجنة، ولما أنزل الأرض، وأصابه المرض، تغير لسانه إلى السريانية حتى مات. أما شعره في قفصة الذي أذكر، فوجده يعرب في متقدم الصحف بالسريانية فنقله إلى لسانه، والله أسأل الغفران، أن أكون من الكاذبين على سيدنا أدم الإنسان.
وزعمت أيضا أني حالم، وبفقه الواقع غير عالم، وما أعد به مناصري لن يتحقق إلا في جنة المنان، وأني أرى الشاة أسدا والفيلة جرذان، وفي غزونا نركب صهوات الخفافيش والبوم! ولم نهزم الروم، ولا نحسن العوم!
أقول: إعلم، أتم الله نعمته عليك، وكرامته لك، أننا إخترنا لقائمتنا ألذ الموائد، فأهل قفصة أكلوا الطيب وعرفوه، والناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش، فوعدنا أنصار قائمتنا بالكراكي، والمكاكي، من الطاووس والبط، السابحة في النهر والماشية في الشط، ووعدناكم بأصناف الألبان، وضروب الشكان، وهو تمر لا تنتهي حلاوته، ولا تنقطع طراوته، فتنتشر الموائد، وتوزع بالمجان العصائد، فيؤتى بالقصع الضخمة، من المرق واللحمة، فيها ثريد كهيأة الصوامع، زيتكم فيها مدسوس، ولبننا عليها ظاهر ، وليس البادي في الطعام كالخفي، ولا الحضري ولا الريفي، فيأكل كل شبعان وجائع، وليس فينا لا شاري ولا بائع، فيشبع أهل صفاقس والقيروان، وقابس وسجنان. وما وعدنا في قائمتنا إلا بما إخترناه لأنفسنا، وشهرنا به في الأفاق، وعندنا يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، التابع والمتبوع، والسيد والمسود. فالشاة في لهجتنا شاة، والقط في لغة البرتسنتانت كات. وقائمتنا الزرقاوية تحذق الكرم وتكره الجرم، ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فر منه، ولله الفضل والمنة.
وذكر لي بعضهم أن أبا مالك الصفاقسي هو من قال: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة! وأخبرني بعض السادة أنه لما أراد أن يهدي إلى أبي مالك الصفاقسي دجاجة، قال أبو مالك: إن كان ولابد فإجعلها بياضة!
ومما قال أبو مالك الصفاقسي إن أهل قفصة ليركبون في غزوتهم ظهور الخفافيش والبوم، فهذا كلام فيه صواب، فلا سقط لك لا ضرس ولا ناب، فأبدان أهل قفصة ليس فيها ثقل، ولا لمشيها على الأرض وقع، وإن القفصي ليرى وهو مدبر ما لا يرى الصفاقسي وهو مقبل، والقفصي يعد الصفاقسي صيدا ويعد نفسه فهدا. ووالله لو رميتم بقفصي في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة.
أعلم، زادك الله من حصص النوم، أنا قوم نحسن العوم. فكما نجيد فن البرلمان، فإنا فقهاء في مسابح الرومان، فنقفز من النخل في الماء، فتتساقط علينا الدراهم كتساقط الشتاء، من سواح متعجبين، من عومنا في مترين، ومن لم يتعلم الغوص في الأودية والأنهار، تعلم في السواقي والأبار. فالبحر بيننا وبينه خلاف وحرش، لإحتوائة الظلمة وسمك القرش، فلكم بحركم ولنا العيون. وشتان بين جيد زان عقدا وعقد زان جيدا!
ولا يفوتني، بإسمي وبإسم مناصري القائمة الزرقاوية، أن أثمن العبارات السحرية، للمغفور له التونسي ولد القفصية، في الرد على سيدنا الناجي نورالدين أبي مالك الصفاقسي، العارف والناسي، الذي إختلطت عليه العلوم، فأرى القرنفلة ثوم، وإدعى مجالسة بن كلثوم، وعد السفرجل من جنس الكروم. لقد كتبت يا قفصاوي، فتقمصت دور القرضاوي- حفظ الله لنا شيخنا-فاطنبت وشفيت وأوفيت، فلك مني الشكر ومن الله الجزاء. وإعلم منعك الله من فتن الحياة والممات، أني لك أذن صاغية، فأمر تطاع، وسل تعطى.
القائمة الزرقاوية، قائمة طعام العرب، قائمة الطعام الممدوح
عاشت تونس دولة إفتراضية بدون أطعمة مذمومة
==========
وفي ما يلي ردنا على الصديق والليث المجالد الجنيد ابن طالب
Noureddine Aouididi بسم الله، وتوكلنا على الله، ومن توكل على الله لم يخيبه، ومن اعتمد عليه لم يضيعه، ومن حاده وحاربه فإنما أضاع نفسه وأهلكها، وفي جهنم حشرها.. عافانا وعافاكم الله، وابعدكم عن غضبه، ومتعكم برضاه.
لقد بداتنا بالهجو يا ابن طالب وما بدأناك، وفي مثلي ومثلك قال شاعر العرب:
وقلبي مثل قلبك ليس يخشى مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟
نصحتك فالتمس يا ليث غيري طعاماً؛ إنّ لحمي كان مرّا
وأطلقت المهنّد من يميني فقدّ له من الأضلاع عشرا
فإن تكُ قد قتلت فليس عاراً فقد لاقيت ذا طرفين حرّا
وأعود فأقول اعلم أصلحك الله أيها الأخ والصديق أبا فاروق جنيدي ابن طالب، أيها المسافر دوما تجوب المشارق والمغارب، لا تستقر على حال كأن الريح تحتك، والهم ثوبك، والغم نعلك.. فبعد أن هجوت صفاقس عاصمة الجنوب وأهلها، كأني بالغم يعتريك، وبالهم يلازمك، فلا تملك من أمرك شيئا، تجوب الأرض ولا تدركك مهما أدركت القناعة، فيوما يصدمك جدار، ومرة تنكسر على رأسك دلاعة، وتأكل فتسرف وكأني بك قد داهمتك مجاعة، وتبخر عنك صبرك كما تنفجر الفقاعة.
لقد زعمت أن من عندكم هبت الريح، وما رأينا من ريحكم سوى العجاج، ومن بلدكم سوى المرج والهياج. تفاخروننا بما تنتجون من فسفاط، لم نسمع منكم معه سوى العويل والعياط، ولم نركم تفلحون في غير ضرب "الزلاط"، وهو أمر غربت شمسه، وافل نجمه، وصار مجرد قصة تروى عن قوم غابرين.
وأما صفاقس حماها الله وأدام عزها ومجدها، فمدينة عظيمة، كأن أهلها في فرح مقيم، تأتي إليها خيرات الأرض من كل مكان، من لوز وجوز وبنان، وعنب وخوخ ورمان.. أرضها سهل، وماؤها نهل، وزيتونها يبعث في النفس السرور، ويغمر أهلها بالمرح والحبور .. أتقارنها بأرض سبخة جرداء تسمى قفصة، لا تنبت فيها سوى الفصة، والفصة أكل البغال والحمير.
أما علمت يا ابن الجنيد ما قال الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في أهل صفاقس يفاخر بهم الأقوام، وكانت له فينا رضاعة، ولأجدادنا معه صحبة، حتى عدنا من أهله وعددناه من أهلنا، قبل أن توجد قفصة وتسير بأخبار ما فيها من فقر ومجاعات الركبان..
لقد قال فينا قصيدته الشهيرة:
أبا جند فلا تعجل علينا ***** وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ***** ونصدرهن حمرا قد روينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ***** ونبطش حين نبطش قادرينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ***** وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ***** تخر له الجبابر ساجدينا
وزعمت، أصلحك الله وبصرك بالحق، فيما زعمت وزعمك باطل أن لبنكم أهل قفصة يعلو على زيتنا أهل صفاقس.. وهل سمع أحد في الدنيا بلبن لا يعلوه زيت.. أما علمت أن الزيت يعلو باقي السوائل ولا تعلو عليه.. وكذلك نعلومكم نحن أهل صفاقس كما يعلو زيتنا لبنكم.. فأرضنا أرض الزيت والزيتون، والله تعالى قد مدح الزيت والزيتون في قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء".. فهل بوسعك أن تأتني بأية أو حديث أو قول مأثور عن أي واحد من أهل العلم والتقوى والعمل الصالح عن الفسفاط والداموس أو عن الماعز والبركوس.
وأما مفاخرتكم لنا بالتمر والنخيل، فقد علمنا أن نخلكم قد قتلته روائح الفسفاط والبخارة، وبتم تبحثون عن التمرة الواحدة بالشبكة والسنارة، تظنون وهما أنكم تصطادون سمكا في بحر، وما أنتم إلا باحثون عما يسد الرمق من تمر تغير لونه، وفسد طعمه، وعلته المرارة، ولا يملأ نخيل قفصة كلها من التمر "شكارة"..
إنما التمر أصلحك الله وأعطاك شيئا من علمه، في قبلي ودوز وما جاورهما، وأهلها لنا أنصار وحلفاء، والقمح والشعير في باجة، وأهلها لنا أصدقاء وخلان أولياء.. وأظنكم قريبا ستجوعون، وتأتون صفاقس تتسولون.. فإذا جئتمونا أطعمناكم وسقيناكم، ولن نكلفكم من الأعمال إلا ما تطيقون، فنحن أهل تقوى ودين، نعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه..
وزعمتم أنكم تحسنون العوم في الآبار والوديان، وهل يقارن الناس من يخوض غمار البحار بمن يعوم في بعض الماء لا يبلغ عمقه بعض الأشبار.. لقد أسأت لأهل قفصة من حيث ظننت أنك تنصفهم. فهل نقارن السيف بالعصا.. أما نظلم السيف والعصا جميعا بهذه المقارنة الظالمة.
لقد بدأتنا بالهجاء وما كنا نريد أن نهجوك، وقارنت عاصمة الجنوب بمدينة في الجنوب.. فهل تراك ترجع إلى الله وعن خطئك تتوب، فخير الناس من عن باطله يؤوب، لا من يسرف في جمع الخطايا والذنوب..
وإنا نحن أهل صفاقس نجّل رغم ظلمك لنا أهل قفصة ونقدرهم حق قدرهم، فهم عرب مثلنا مثلهم، مصيرنا ومصيرهم واحد، لا ينكر هذا إلا جاحد ومعاند، نحب لهم الخير والرخاء، وندعو لهم بجلاء الهموم والوباء، ونرفدهم بالميرة عندما يحتاجون، ونبسط لهم يد المحبة والوفاء، فنحن جميعا مسلمون، يشد بعضنا بعضا كالبنيان المرصوص، لا يداخله ضعف ولا سوس. فإن قبلتم منا الصداقة أعطيناكم العهد، ووفينا لكم بالوعد، وسرنا فيكم بحسن السيرة ونبيل القول.. والسلام على أهل الوفاء.
وأختم بقول شاعرنا عمرو بن هند:
ألا لا يجهلن أحد علينا **** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا **** ويشرب غيرنا كدرا وطينا
والسلام على أهل تونس جميعا من شمالها حتى الجنوب، ومن شرقها إلى منتهى الغروب
Jounaidi Taleb تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. إعلم يا أخي الصفاقسي – حفظك الله وأيدك بحبل من عنده ومن عندنا أهل قفصة – أنك واسيت وكفيت، وأويت ونصرت، والله يا معشر أهل صفاقس، ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في بني جعفر:
جزى الله عنا جعفرا حيث أشرفت**** بنا نعلنا في الشارفين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا****إلى غرفات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا**** تلاقي الذي يلقون منا لملت
فرباطنا، جعلني الله وإياك ممن يقول الحق ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه، ليس رباط دم، ولا رباط لون، ولا رباط تراب، وإنما هو رباط لا ينفصم، ولا يتقطع، ولا يموت، ولا يمرض، رابطة تصل الدنيا بالأخرة، فهي ليست قفصية، ولا صفاقسية، ولا إشتراكية، ولا قومية، ولا بعثية، ولا ناصرية، ولا شيوعية، ولا حراقية، ولا فيسبوكية، وصدق الله القائل:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
إعلم، أيدك الله بروح منه، أن بينا وبينكم نسب، وكلان من العرب، فزوجة أخي صفاقسية، تزوجها وهو في العسكرية، فأنجبت له خمسة صغار، وهو مرابط يحرص المطار. فما ضر أهل صفاقس إن قلنا إنا نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء، وأنباء النجباء، ومنا الدعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، ويجند الطلاب ويزج بهم في الغابة، فنحن فتحنا البلاد، وأبدنا العدو بكل واد، ونحن أهل القائمة الزرقاوية، والدولة الإفتراضية، وأصحاب هذه الدعوة الفتية، فلا يسكتنا الحمص، ولو ملكتنا على بلاد الشام وحمص، ولا يغرينا حزام قديد، ولا جبل من ذهب أو حديد. فأعلم – أبا مالك - أن من عندنا هبت الريح.
وزعمت أني حملت سيدنا أدم ما لا يحتمل، بأن نسبته إلى قفصة خير الأمصار، وأجمل الأقطار، وقولته ما لم يقل، وكان قصدك معروف، وهدفك مكشوف، فيضن الناس أن الزرقاوية ليس لها أمانة، فتحجب عنا سمانا، وتفرغ قائمتي من مناصرين، وأنصار ومهاجرين، وعمالقة وحواريين.
فأقول، وعلى الله التكلان: قولك ظاهره حق، وما نطقه إلا بعض الحكماء مثلك، ولكنك نسيت، فقد علمت أن النسيان متسرع إليك، فسيدنا أدم عليه السلام مجيد للعربية، محب لها، مدافع عنها، ضارب عنق من ذمها وهجاها، فكان صلى الله عليه يتكلم العربية في الجنة، ولما أنزل الأرض، وأصابه المرض، تغير لسانه إلى السريانية حتى مات. أما شعره في قفصة الذي أذكر، فوجده يعرب في متقدم الصحف بالسريانية فنقله إلى لسانه، والله أسأل الغفران، أن أكون من الكاذبين على سيدنا أدم الإنسان.
وزعمت أيضا أني حالم، وبفقه الواقع غير عالم، وما أعد به مناصري لن يتحقق إلا في جنة المنان، وأني أرى الشاة أسدا والفيلة جرذان، وفي غزونا نركب صهوات الخفافيش والبوم! ولم نهزم الروم، ولا نحسن العوم!
أقول: إعلم، أتم الله نعمته عليك، وكرامته لك، أننا إخترنا لقائمتنا ألذ الموائد، فأهل قفصة أكلوا الطيب وعرفوه، والناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش، فوعدنا أنصار قائمتنا بالكراكي، والمكاكي، من الطاووس والبط، السابحة في النهر والماشية في الشط، ووعدناكم بأصناف الألبان، وضروب الشكان، وهو تمر لا تنتهي حلاوته، ولا تنقطع طراوته، فتنتشر الموائد، وتوزع بالمجان العصائد، فيؤتى بالقصع الضخمة، من المرق واللحمة، فيها ثريد كهيأة الصوامع، زيتكم فيها مدسوس، ولبننا عليها ظاهر ، وليس البادي في الطعام كالخفي، ولا الحضري ولا الريفي، فيأكل كل شبعان وجائع، وليس فينا لا شاري ولا بائع، فيشبع أهل صفاقس والقيروان، وقابس وسجنان. وما وعدنا في قائمتنا إلا بما إخترناه لأنفسنا، وشهرنا به في الأفاق، وعندنا يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، التابع والمتبوع، والسيد والمسود. فالشاة في لهجتنا شاة، والقط في لغة البرتسنتانت كات. وقائمتنا الزرقاوية تحذق الكرم وتكره الجرم، ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فر منه، ولله الفضل والمنة.
وذكر لي بعضهم أن أبا مالك الصفاقسي هو من قال: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة! وأخبرني بعض السادة أنه لما أراد أن يهدي إلى أبي مالك الصفاقسي دجاجة، قال أبو مالك: إن كان ولابد فإجعلها بياضة!
ومما قال أبو مالك الصفاقسي إن أهل قفصة ليركبون في غزوتهم ظهور الخفافيش والبوم، فهذا كلام فيه صواب، فلا سقط لك لا ضرس ولا ناب، فأبدان أهل قفصة ليس فيها ثقل، ولا لمشيها على الأرض وقع، وإن القفصي ليرى وهو مدبر ما لا يرى الصفاقسي وهو مقبل، والقفصي يعد الصفاقسي صيدا ويعد نفسه فهدا. ووالله لو رميتم بقفصي في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة.
أعلم، زادك الله من حصص النوم، أنا قوم نحسن العوم. فكما نجيد فن البرلمان، فإنا فقهاء في مسابح الرومان، فنقفز من النخل في الماء، فتتساقط علينا الدراهم كتساقط الشتاء، من سواح متعجبين، من عومنا في مترين، ومن لم يتعلم الغوص في الأودية والأنهار، تعلم في السواقي والأبار. فالبحر بيننا وبينه خلاف وحرش، لإحتوائة الظلمة وسمك القرش، فلكم بحركم ولنا العيون. وشتان بين جيد زان عقدا وعقد زان جيدا!
ولا يفوتني، بإسمي وبإسم مناصري القائمة الزرقاوية، أن أثمن العبارات السحرية، للمغفور له التونسي ولد القفصية، في الرد على سيدنا الناجي نورالدين أبي مالك الصفاقسي، العارف والناسي، الذي إختلطت عليه العلوم، فأرى القرنفلة ثوم، وإدعى مجالسة بن كلثوم، وعد السفرجل من جنس الكروم. لقد كتبت يا قفصاوي، فتقمصت دور القرضاوي- حفظ الله لنا شيخنا-فاطنبت وشفيت وأوفيت، فلك مني الشكر ومن الله الجزاء. وإعلم منعك الله من فتن الحياة والممات، أني لك أذن صاغية، فأمر تطاع، وسل تعطى.
القائمة الزرقاوية، قائمة طعام العرب، قائمة الطعام الممدوح
عاشت تونس دولة إفتراضية بدون أطعمة مذمومة
==========
وفي ما يلي ردنا على الصديق والليث المجالد الجنيد ابن طالب
Noureddine Aouididi بسم الله، وتوكلنا على الله، ومن توكل على الله لم يخيبه، ومن اعتمد عليه لم يضيعه، ومن حاده وحاربه فإنما أضاع نفسه وأهلكها، وفي جهنم حشرها.. عافانا وعافاكم الله، وابعدكم عن غضبه، ومتعكم برضاه.
لقد بداتنا بالهجو يا ابن طالب وما بدأناك، وفي مثلي ومثلك قال شاعر العرب:
وقلبي مثل قلبك ليس يخشى مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟
نصحتك فالتمس يا ليث غيري طعاماً؛ إنّ لحمي كان مرّا
وأطلقت المهنّد من يميني فقدّ له من الأضلاع عشرا
فإن تكُ قد قتلت فليس عاراً فقد لاقيت ذا طرفين حرّا
وأعود فأقول اعلم أصلحك الله أيها الأخ والصديق أبا فاروق جنيدي ابن طالب، أيها المسافر دوما تجوب المشارق والمغارب، لا تستقر على حال كأن الريح تحتك، والهم ثوبك، والغم نعلك.. فبعد أن هجوت صفاقس عاصمة الجنوب وأهلها، كأني بالغم يعتريك، وبالهم يلازمك، فلا تملك من أمرك شيئا، تجوب الأرض ولا تدركك مهما أدركت القناعة، فيوما يصدمك جدار، ومرة تنكسر على رأسك دلاعة، وتأكل فتسرف وكأني بك قد داهمتك مجاعة، وتبخر عنك صبرك كما تنفجر الفقاعة.
لقد زعمت أن من عندكم هبت الريح، وما رأينا من ريحكم سوى العجاج، ومن بلدكم سوى المرج والهياج. تفاخروننا بما تنتجون من فسفاط، لم نسمع منكم معه سوى العويل والعياط، ولم نركم تفلحون في غير ضرب "الزلاط"، وهو أمر غربت شمسه، وافل نجمه، وصار مجرد قصة تروى عن قوم غابرين.
وأما صفاقس حماها الله وأدام عزها ومجدها، فمدينة عظيمة، كأن أهلها في فرح مقيم، تأتي إليها خيرات الأرض من كل مكان، من لوز وجوز وبنان، وعنب وخوخ ورمان.. أرضها سهل، وماؤها نهل، وزيتونها يبعث في النفس السرور، ويغمر أهلها بالمرح والحبور .. أتقارنها بأرض سبخة جرداء تسمى قفصة، لا تنبت فيها سوى الفصة، والفصة أكل البغال والحمير.
أما علمت يا ابن الجنيد ما قال الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في أهل صفاقس يفاخر بهم الأقوام، وكانت له فينا رضاعة، ولأجدادنا معه صحبة، حتى عدنا من أهله وعددناه من أهلنا، قبل أن توجد قفصة وتسير بأخبار ما فيها من فقر ومجاعات الركبان..
لقد قال فينا قصيدته الشهيرة:
أبا جند فلا تعجل علينا ***** وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ***** ونصدرهن حمرا قد روينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ***** ونبطش حين نبطش قادرينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ***** وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ***** تخر له الجبابر ساجدينا
وزعمت، أصلحك الله وبصرك بالحق، فيما زعمت وزعمك باطل أن لبنكم أهل قفصة يعلو على زيتنا أهل صفاقس.. وهل سمع أحد في الدنيا بلبن لا يعلوه زيت.. أما علمت أن الزيت يعلو باقي السوائل ولا تعلو عليه.. وكذلك نعلومكم نحن أهل صفاقس كما يعلو زيتنا لبنكم.. فأرضنا أرض الزيت والزيتون، والله تعالى قد مدح الزيت والزيتون في قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء".. فهل بوسعك أن تأتني بأية أو حديث أو قول مأثور عن أي واحد من أهل العلم والتقوى والعمل الصالح عن الفسفاط والداموس أو عن الماعز والبركوس.
وأما مفاخرتكم لنا بالتمر والنخيل، فقد علمنا أن نخلكم قد قتلته روائح الفسفاط والبخارة، وبتم تبحثون عن التمرة الواحدة بالشبكة والسنارة، تظنون وهما أنكم تصطادون سمكا في بحر، وما أنتم إلا باحثون عما يسد الرمق من تمر تغير لونه، وفسد طعمه، وعلته المرارة، ولا يملأ نخيل قفصة كلها من التمر "شكارة"..
إنما التمر أصلحك الله وأعطاك شيئا من علمه، في قبلي ودوز وما جاورهما، وأهلها لنا أنصار وحلفاء، والقمح والشعير في باجة، وأهلها لنا أصدقاء وخلان أولياء.. وأظنكم قريبا ستجوعون، وتأتون صفاقس تتسولون.. فإذا جئتمونا أطعمناكم وسقيناكم، ولن نكلفكم من الأعمال إلا ما تطيقون، فنحن أهل تقوى ودين، نعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه..
وزعمتم أنكم تحسنون العوم في الآبار والوديان، وهل يقارن الناس من يخوض غمار البحار بمن يعوم في بعض الماء لا يبلغ عمقه بعض الأشبار.. لقد أسأت لأهل قفصة من حيث ظننت أنك تنصفهم. فهل نقارن السيف بالعصا.. أما نظلم السيف والعصا جميعا بهذه المقارنة الظالمة.
لقد بدأتنا بالهجاء وما كنا نريد أن نهجوك، وقارنت عاصمة الجنوب بمدينة في الجنوب.. فهل تراك ترجع إلى الله وعن خطئك تتوب، فخير الناس من عن باطله يؤوب، لا من يسرف في جمع الخطايا والذنوب..
وإنا نحن أهل صفاقس نجّل رغم ظلمك لنا أهل قفصة ونقدرهم حق قدرهم، فهم عرب مثلنا مثلهم، مصيرنا ومصيرهم واحد، لا ينكر هذا إلا جاحد ومعاند، نحب لهم الخير والرخاء، وندعو لهم بجلاء الهموم والوباء، ونرفدهم بالميرة عندما يحتاجون، ونبسط لهم يد المحبة والوفاء، فنحن جميعا مسلمون، يشد بعضنا بعضا كالبنيان المرصوص، لا يداخله ضعف ولا سوس. فإن قبلتم منا الصداقة أعطيناكم العهد، ووفينا لكم بالوعد، وسرنا فيكم بحسن السيرة ونبيل القول.. والسلام على أهل الوفاء.
وأختم بقول شاعرنا عمرو بن هند:
ألا لا يجهلن أحد علينا **** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا **** ويشرب غيرنا كدرا وطينا
والسلام على أهل تونس جميعا من شمالها حتى الجنوب، ومن شرقها إلى منتهى الغروب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق