وقد أكثر عمار وصال وجال، وفاق في وقاحته الأعور الدجال، وقصف مواقع الانترنت وأذاق أهلها الويل والوبال، قررت أن أوقف الحرب على الجنيدي طالب وأهل قفصة، وأشهر في وجهه سيف المقامة، ليعرف قدره ومقامه، ودعوت له الحاجة منانة الخرنانة، لتحشره في قفص أو خزانة، وتريه من فنونها ألوانا..
وفي ما يلي الحلقة الأولى، وأرجو أن تكون منانة جاهزة للرد، قادرة على الهجوم والصد في وجه عمار صاحب الكاتسون كات باشي.
حدثت الحاجة منانة الخرنانة عن أبيها عن جد جدها، وهو قصاص وراوية، لا تُرى جعبته من الأخبار الطريفة وغريب القصص خاوية، يحدث فيمتع، ويقول وقوله يُسمع، أن إبليس اللعين، أب الأبالسة والشياطين، من أخرج أبينا آدم من جنة الرحمة والهناء، وورطنا في الشقاء والعناء، ووسوس لنا بالشر والكره والجفاء..
قالت منانة عن جدها الأول إن إبليس اللعين حين أراد أن يضع نسله، وقد جاءته الأوجاع، كما تجيء الحامل لا المرأة المرضاع، بحث في كل مكان، عن موطن يكون له فيه ولأبنائه الشياطين أمن وأمان، وجاه وسلطان، فدار وحلق وطار، وسار تحت الأرض، وغاص في البحار، فلم يجد من مكان آمن لهم إلا موضع في شارع الحبيب بورقيبة، يثير في نفس الناظر إليه الرعب والريبة، مع قلة الاحترام والهيبة، من يدخله يصير نسيا منسيا، فيه تنتهك الكرامات، ويختلط فيه الأحياء بالأموات، ولا تسمع فيه إلا الصياح وكثرة العياط، والضرب بالعصا والزلاط، والتعليق على شكل دجاجة مصلية، واحدة طايبة، وأخرى بجنبها مشوية، وثالثة تنتظر مرعوبة نية.
قالت منانة، وقد حكت شعرها الأشيب، حتى تساقط الكثير منه في يدها، فنفضته بعصبية من يديها المرتعشتين دون أن تلتفت إليه، خشية أن يراه زوجها..
قالت وقولها حق، وروايتها صدق، إن إبليس لما وجد ذلك المكان أحس بالأمن والأمان، وانتفخ انتفاخ الفرح الولهان، وصفق تصفيقة الهيمان، بأجنحة ثمان، ورأى نفسه على الناس ملكا أو سلطان..
فبحث بين الموظفين في الدهاليز، وأعدادهم، قاتلهم الله تقاس لكثرتهم وحقارتهم، بالويبة والقفيز، وجوههم شائهة، وعيونهم زائغة من شر صدورهم تائهة، حتى رأى موظفا قصيرا أصلع أبرص أعور، فيه عيوب الدنيا كلها، يسمى عمار، وهو من الكفار الفجار، يكره الحرية، ويسيء في الناس النية، ويعترضهم بالشر في كل شارع وثنية، ويود افتراس المعارضين افتراس الأعراب للحم الخروف وشحمة اللية.
- قال له إبليس اللعين، أنت لي خادم معين، ومساعد على الشر أمين. قال له عمار، حطم الله على رأسه الدار، ما اختصاصك يا إبليس؟ قال إبليس الخسيس أنهى الناس عن الخير، وأدلهم على الإضرار بالغير، وأسقطهم في حبائلي كما تصطادون الطير.
- فاستغرب عمار واحتار، لا عمر الله عليه دار، وختم على عينيه وقلبه في الليل والنهار، وحشره في الآخرة ضمن أهل النار.. أأنت موظف معنا يا إبليس؟، وكيف يلعنك كل تقي وخسيس؟ أما أعلمتنا من قبل فنحميك، ونرد الكيد عن أولادك وذراريك، ونساعدك ونؤويك.
فإننا نقوم بهذا من زمان، لم يتفوق علينا في عملنا روس ولا ألمان، وقد سبقنا بالاجتهاد في الشر الفرس والرومان، وفلسفناه كما فعل اليونان، وكتبنا فيه كتبا بالأطنان، وفرعناه أصنافا وألوان..
- قال إبليس الملعون الخسيس الرخيص، لقد اتفقنا في الهدف والوسيلة، وكثرت من عندنا وعندكم الحيلة، ولن تغلبنا في الشر عشيرة أو قبيلة.
- قال عمار الفاجر الكفار: تواضع يا إبليس واعرف قدرك، حتى لا نرد كيدك في نحرك، ويغلب شرنا شرك، فإنك لن تفوقنا في شيء، ولن تعلمنا الفرق بين الظلام والضيء، واعمل معنا تنم قرير البال، ونغرقك بالعطايا والمال، ونخضع لك الصبايا ذوات الحسن والجمال،
- فقال إبليس وعلى الضالين آمين.
عند هذا الحد، وقد اختلط الهزل بالجد، نهضت منانة متعبة زعلانة، وتوقفت عن الحديث، ومشت في مهل وريث، مشية اللبؤة أخت الغندفر والليث.
وقالت نكمل القصة في القريب، ولكم عندي حديث غريب عجيب، عما دار وصار بين إبليس وعمار وجماعته الفجار.
(يتبع)
وبعد.. فهذه وقعة من أشهر وقائع الزمان، التي سارت بأخبارها شرقا وغربا الطائرات والسفن والركبان، فعرف بها الفرنسيس والألمان، وقبلهم أهل بابل والرومان، وهي أشهر من موقعة داحس والغبراء، ويعرفها كل من أكل خبزا أو شرب من ماء.
وكانت هذه الوقعة بين أهل صفاقس الغر الميامين، وأهل قفصة المساكين، وقد أسرنا فيها منهم الملايين، زقتلنا منهم المليارات، ودمرنا مساكنهم وأبدنا خضراءهم. وجاءت هذه الوقعة بعد أن هجانا شاعر قفصة الجنيدي طالب، جواب المشارق والمغارب، فقال وقلنا، وصال وصلنا، وانتهت الوقعة بأسره فهجا قفصة ندما على هجائه صفاقس. وفي ما يلي بعض ما كان بيننا وبينه من سجال، قبل أن يطاله منا الأسر والاعتقال.
بسم الله وتوكلنا على الله. ومن توكل على الله لم يخيبه، ومن رجا عفوه عفا عنه وغفر له.. وبعد. اعلم يا أيها أيها الصديق الجنيد أنك بقولك قد سحرتنا، وبجميل معانيك قد أبهرتنا، وسنرد لك الصاع صاعين، وقطرة الماء من فضلكم نغرقها في بئر من فضلنا أو في عين.. فانتظرنا إنا قادمون، ولخضراء قفصة مبيدون مستأصلون، قبل مغيب الشمس وقبل طلوع القمر، وعند عواء الرياح في خيام الأعراب وأهل المدر، ففروا إن استطعم وليس لكم منا مفر، تدوسكم جنودنا في صيف أو في يوم قر.. وغرضنا من ذلك طاهر نبيل، وفي الطهر عريق وأصيل، أن تنعم صفاقس وباقي الكائنات والبشرية، بالعيشة الهنية، والحياة الرضية..
فيا أيها الجنيد عافاك الله وواساك في مصيبة هي من القدر والقضاء.. مصيبة انتمائك لأرض جرداء، وسبخة كالحة تعيسة شوهاء، تحيطها بشكل شائه جبال لا حمراء ولا صفراء، تصيب من يعيش فيها بالبله والعمى، تصفّر فيها الريح حتى توهم صاحبها أنها يمكن أن تسيل فيشربها، ويحرقه الشمس فيراها كقرص الخبز فيتوهم لمسغبته أنه يأكلها، ويظن القمر من جوعه جبنا فيقضمها، فيزداد لذلك جوعه وعطشه، ويندحر مهموما خائبا حسيرا.
وإني، رغم عداوتك بالباطل لصفاقس وأهلها الميامين، لأشهد لك أنك شذذت عن قومك، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وأشهد بأنك في معانيك شاعر، جاءك الشعر صدفة، لم ترثه كابرا عن كابر، وإن شككنا في أصلك الشريف، وفي إتقانك للضرب بالزلاط أو الطعن بالرمح أو القطع بالسيف، فإنا نشك أيضا في انتسابكم لآل أبي طالب، لا لفهر ولا لأبيه من قبله غالب، والثابت عندنا أنكم تنتسبون لأبينا آدم، فأصلكم مثله من ماء وطين، يشاطركم في ذلك بوش وأوباما، وبن لادن أسامة، ومن ولد بعد الطوفان وقبل يوم القيامة.
فكيف تأتي لكم وحالكم هذه أن تفاخرونا، ونحن قد أصّل ابن عمنا فارس بلا جواد، بالدم قبل المداد، في كتابه "للعدى السيف والقرى للضيف" نسبتنا للأصل الشريف، فردّنا، بالحجة والبرهان، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، للسيدة فاطمة الزهراء بنت أمير الأنبياء، فسررنا لذلك أيما سرور، واعتراكم لفرحنا الهم والغم والويل والثبور، وبشركم الكهان والعرافون بعظائم الأمور، تأتيكم من صفاقس وقابس وباجة وتستور..
ألطف يا لطيف.. ألطف يا لطيف.. ألطف يا لطيف.
تأتيكم على هيئة ريح صفراء، لا غوث لكم فيها ولا ماء، فيها جيش لا يسمع حسيسه ولا يرى، يرفع أرضكم إلى رؤوس الجبال بل يكاد أن يبلغ بها السماء، ثم يكبها على وجهها من العلياء، فيصبح عالي قفصة سافلها، وسافلها عاليها، ويجعلها عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكر، ولات حين مناص.
وإنما يفعل بكم جيشنا ذلك لأنك ذكرت، غفر الله لك وتجاوز عن سيئاتك الكثيرة، صفاقس بسوء، وهي بلاد الماء والنور والضوء، ونسبتها للشح والتقطير، وما ذاك إلا حكمة من أهلها وفن في تصريف الأمور وتدبير، لا يدركه السوقة والعامة، وأهل الشقاء والطامة، ويعيه العاقل الحكيم الفهيم، من جرب شدائد الزمان، وكابد من الأهوال فنونا وألوان، وزحفت عليه طمعا قبائل العربان، من قفاصة ومغول وجرمان، فرد أهل صفاقس كيد الأعداء في نحورهم بالحكمة والسيف والعصا، فعاش منهم من عاش، وقضى نحبهم منهم من قضى.
وظلت العزة والمنعة فينا أهل صفاقس منذ قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، يرثها الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد. ولذلك نسبهم حسادهم للشح والتقطير، وهم في أعراسهم وولائمهم يشبعون الكبير والصغير، والغني والفقير، والعالم والغفير، ويفيض خيرهم فيبلغ الهند ويجاوز السند، ويشبعون أهل الصين على كثرتهم عددا، لكنهم يضنون عن جفاة الأعراب بالفلس والمليم، ولا يعطونهم الخبز اليابس الرميم، لأن من أطعمته اليوم خبزا بمرق، طمع غدا فيك، ومالك نهب، ورزقك سرق. والحكماء تقول من قديم الزمان، من عهد الفرس والروم واليونان: اتق شر من أحسنت إليه. وقد اتخذها أهل صفاقس حكمة دائمة، لا يخالفونها في كثير أو قليل، من عهد نوح وقبل عام الفيل.
وهل علمت أيها الجنيد أصلحك الله وتجاوز عن سيئاتك، وهي أكثر من قطرات الماء، أنه قد جاء في الإلياذة أن آلهة الشر قد خُلقت من تراب قفصة، وأن آلهة الخير خلقت من تربة الأولياء الصالحين من أهل صفاقس. وأرجع هوميروس انتصار آلهة الخير على آلهة الشر لبركة تربة صفاقس التي صنعت منها تلك الآلهة. وقيل إن تلك التربة أخذت من قرب جامع سيدي اللخمي الشهير في بلاد صفاقس.
وقال هوميروس في الأوديسا إن مردة الشياطين خلقوا من نار اشتعلت في رؤوس جبال قفصة ذات صيف حار. وذكر أيضا أن آلهة المصريين القدماء غضبت يوما من أهل قفصة فمسختهم هررة وفئرانا. ولذلك يقال "القفصي للقفصي نقمة"، ويقال أيضا "لا يصلح بين قفصيين متخاصمين سوى حكيم من أهل صفاقس"، والشواهد على صدق هذا أكثر من حب الرمل عددا.
ونحن مسلمون لا نؤمن بتعدد الآلهة، ولكننا أردنا ذكر هذا الأمر لتعلم، أيها الجنيد أصلحك الله ورعاك، أن أهل الحضارات القديمة والمعاصرة يقرون لصفاقس على قفصة بالفضل والسبق والريادة في كل الميادين.
وينسب لوزير المطاعم الإيراني الشهير السيد علي طابخ أكبر باذنجاني أنه قال في كتابه "أفخر أنواع الطعام وأجوده" أن أهل صفاقس يتميزون عن أمم الأرض جميعها بشربة الصبارس. وقال إنها شربة تأخذ بالألباب. وذكر أن أهل قفصة حاولوا تقليد الصفاقسية في هذه الشربة العجيبة، لكنهم لبعدهم عن البحر وانعدام السمك عندهم، أعدوها بلحم الضفادع وبلحم بوبريص، وقيل بلحم الزرزومية، وتنطق في بعض البلاد زلزومية وزمزومية. وقيل إنهم يأكلونها بلحم بوكشّاش. ولا يعرف في هذا القول الحق من الباطل. وإنما ذكرناه لأن الوزير أكبر باذنجاني قد ذكره في مصنفه القيم.
وأعلم أيها الجنيد، إن لم يصل إليكم العلم، ولم يبلغ أهل قفصة الورع والتقوى، أنه قد صح فيما رواه الإمام مالك بن نور الدين أصلحه الله وزينه باليقين، وأصلح به الأمة، وأزال عنها الوكسة والغمة، في كتابه ذائع الصيت "معجم الممالك والبلدان ووصف صفاقس بلد الأمن والأمان" أن قفصة كلمة حبشية قديمة، وهي تعني النكد والغصة، وأن أرضها لا تنتج إلا الفوسفاط والفصة، وأن آكل تمرها يصاب بالحكة وقد يعتريه انتفاخ البطن والبصة، وأنه قد سكنها أقوام سود، من مردة الجن من عاد وثمود، وقيل من بعض أهل اليمن المعروفين بأصحاب الأخدود، من هراطقة ويهود، من الذين عاشوا على حساب الأمم كالسوس أو كالدود.
وقد بلغنا أنكم ذكرتم أن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، قد قال في قفصة شعرا، وهي أهون عليه من ذلك. ومتى كان الأنبياء يقولون الشعر، فكيف تأتى لك أن تزعم ما لم تتحقق منه، وأن تقول منكرا من القول وزورا. أما نحن فإننا ننسب الشعر في درة المدائن وعروس البلدان مدينة الصلاح والفلاح: صفاقس الفيحاء، لعنترة وجميل وامرئ القيس وعمرو بن هند ولبيد والمتنبي والمعري وغيرهم كثر. وقد زاروا صفاقس فأعجبوا بها، وأكلوا فيها المريقة الصفاقسية التي تغنى بها المغنون، وعاشوا فيها زمنا طويلا.
والإمام مالك ابن نور الدين يذكر في كتابه الموصوف بالصدق واليقين أن سبعين ألف ألف شاعر توجد قبورهم في صفاقس، وأن بعضها صارت مزارات للغاوين، يأتونها من الهند والبرازيل والصين، يذكرون فيها الشعر والأدب، ويتكلمون فيها بلغات تشيب لتنوعها الولدان، ولا يوصل بينهم سوى الترجمان.
وقد قال المتنبي في شأن صفاقس وعجيب أمرها، وتنوع الناس فيها:
تجمّــَع فيها كل لِِسْنٍ وأمــــــــــــة **** فما يُفهم الحدَّاث إلا التراجـــــــــم
وفي أحد غزوات أهل صفاقس، التي سارت بذكرها الركبان، وصارت قصة تعاد على كر الدهور والأزمان، وكانت غزوة غزونا فيها قفصة والقطار، وقد أسرنا فيها ألف ألف قفصي، وقتلنا منهم عشرين ألف ألف.. قال المتنبي:
سقتها الغمام الغـــــر قبل نزولـ ـه **** فلما دنا منها سقتها الجماجـــــم
بناها فاعلى والقنا يقرع القنـــــا **** و موج المنايا حولها متلاطـــــــم
وقال أيضا يمدح الأسد الضرغام ابننا مالك ابن أبي مالك، ويصف فيها رؤوس القفاصة تتناثر تناثر أوراق الخريف تعبث بها الريح، ووصف فيها فرار أبطال قفصة من أمامه مذعورين ينشدون النجاة، والموت الزؤام فاغر فاه يكاد يلتهمهم، فقال:
وقفت وما في الموت شك لواقــف **** كأنك في جفن الردى وهو نائــم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمـــــــــة **** ووجهك وضاح وثغرك باســـــــم
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهـــى **** إلى قول قوم أنت بالغيب عالـــــم
ضممت جناحيهم على القلب ضمـــة **** تموت الخوافي تحتها والقـــــوادم
بضرب اتى الهامات والنصـر غائب **** وصار إلى اللبات والنصر قـــــادم
حقرت الردينيات حتى طرحتهــــــا **** وحتى كأن السيف للرمح شـــــاتم
ومن طلب الفتح الجليل فإنمـــــــا **** مفاتيحه البيض الخفاف الصــــــوارم
نثرتهم فوق الأُحَيدب كلـــــــــــــه **** كما نُثرت فوق العروس الـــــــدراهم.
وفي الختام أقول لك ردا على هجائك أهل صفاقس الغر الميامين ما قال الحكماء من قبل "إني وإن لمت حاسديّ فما أنكر أني عقوبـة لـهم". وأثني في هذا بقول المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص **** فهي الشهادة لي بأنـي كامل
وأضيف:
وكم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم **** ويكره الله ما تأتـون والكـرم
وأختم مع أبي الطيب المتنبي، حينما قال :
وللحساد عذر أن يشحوا **** على نظري إليه وأن يذوبوا
فإني قد وصلت إلى مكان **** علـيـه تحسد الحدق القلوب
وليعلم أهل صفاقس أنهم إذا رُموا من الخلف فإنه ما كان يحدث لهم ذلك إلا لأنهم دوما في المقدمة، وأن الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجر أما الفارغة فلا يُنظر إليها ولا يُلتفت.
ونسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا مع هذا القول فأكثره باطل، والصحيح فيه نادر وأكثره عاطل في عاطل، والصدق فيه قليل، والرياء فيه كثير، وإنما افتريت علينا أيها الجنيدي فافترينا عليك، واحدة بواحدة، والبادئ أظلم.
والسلام في المنتهى والختام على المظلل بالغمام، من زرع في الأرض الخير وعمها بالسلام، والسلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وصدق بنبيه، وكان للناس نافعا. فإنما هي جاهلية مذمومة، فليدعها من كان جادا في نصرة عشيرته وقومه بالباطل، ونسأل الله أن يتجاوز علينا لأننا إنما نمزح لكي نستمتع ونفرح، والله غفار الذنوب.
التوقيع
أمير البحار والمحيطات وصاحب الحظوة والشأن في صفاقس وسائر البلدان، وصاحب الرياستين: رياسة السيف والقلم
مولانا السلطان نور الدين ابن معاوية ابن أبي بكر عفر الله له ورضي عنه.
وفي ما يلي الحلقة الأولى، وأرجو أن تكون منانة جاهزة للرد، قادرة على الهجوم والصد في وجه عمار صاحب الكاتسون كات باشي.
حدثت الحاجة منانة الخرنانة عن أبيها عن جد جدها، وهو قصاص وراوية، لا تُرى جعبته من الأخبار الطريفة وغريب القصص خاوية، يحدث فيمتع، ويقول وقوله يُسمع، أن إبليس اللعين، أب الأبالسة والشياطين، من أخرج أبينا آدم من جنة الرحمة والهناء، وورطنا في الشقاء والعناء، ووسوس لنا بالشر والكره والجفاء..
قالت منانة عن جدها الأول إن إبليس اللعين حين أراد أن يضع نسله، وقد جاءته الأوجاع، كما تجيء الحامل لا المرأة المرضاع، بحث في كل مكان، عن موطن يكون له فيه ولأبنائه الشياطين أمن وأمان، وجاه وسلطان، فدار وحلق وطار، وسار تحت الأرض، وغاص في البحار، فلم يجد من مكان آمن لهم إلا موضع في شارع الحبيب بورقيبة، يثير في نفس الناظر إليه الرعب والريبة، مع قلة الاحترام والهيبة، من يدخله يصير نسيا منسيا، فيه تنتهك الكرامات، ويختلط فيه الأحياء بالأموات، ولا تسمع فيه إلا الصياح وكثرة العياط، والضرب بالعصا والزلاط، والتعليق على شكل دجاجة مصلية، واحدة طايبة، وأخرى بجنبها مشوية، وثالثة تنتظر مرعوبة نية.
قالت منانة، وقد حكت شعرها الأشيب، حتى تساقط الكثير منه في يدها، فنفضته بعصبية من يديها المرتعشتين دون أن تلتفت إليه، خشية أن يراه زوجها..
قالت وقولها حق، وروايتها صدق، إن إبليس لما وجد ذلك المكان أحس بالأمن والأمان، وانتفخ انتفاخ الفرح الولهان، وصفق تصفيقة الهيمان، بأجنحة ثمان، ورأى نفسه على الناس ملكا أو سلطان..
فبحث بين الموظفين في الدهاليز، وأعدادهم، قاتلهم الله تقاس لكثرتهم وحقارتهم، بالويبة والقفيز، وجوههم شائهة، وعيونهم زائغة من شر صدورهم تائهة، حتى رأى موظفا قصيرا أصلع أبرص أعور، فيه عيوب الدنيا كلها، يسمى عمار، وهو من الكفار الفجار، يكره الحرية، ويسيء في الناس النية، ويعترضهم بالشر في كل شارع وثنية، ويود افتراس المعارضين افتراس الأعراب للحم الخروف وشحمة اللية.
- قال له إبليس اللعين، أنت لي خادم معين، ومساعد على الشر أمين. قال له عمار، حطم الله على رأسه الدار، ما اختصاصك يا إبليس؟ قال إبليس الخسيس أنهى الناس عن الخير، وأدلهم على الإضرار بالغير، وأسقطهم في حبائلي كما تصطادون الطير.
- فاستغرب عمار واحتار، لا عمر الله عليه دار، وختم على عينيه وقلبه في الليل والنهار، وحشره في الآخرة ضمن أهل النار.. أأنت موظف معنا يا إبليس؟، وكيف يلعنك كل تقي وخسيس؟ أما أعلمتنا من قبل فنحميك، ونرد الكيد عن أولادك وذراريك، ونساعدك ونؤويك.
فإننا نقوم بهذا من زمان، لم يتفوق علينا في عملنا روس ولا ألمان، وقد سبقنا بالاجتهاد في الشر الفرس والرومان، وفلسفناه كما فعل اليونان، وكتبنا فيه كتبا بالأطنان، وفرعناه أصنافا وألوان..
- قال إبليس الملعون الخسيس الرخيص، لقد اتفقنا في الهدف والوسيلة، وكثرت من عندنا وعندكم الحيلة، ولن تغلبنا في الشر عشيرة أو قبيلة.
- قال عمار الفاجر الكفار: تواضع يا إبليس واعرف قدرك، حتى لا نرد كيدك في نحرك، ويغلب شرنا شرك، فإنك لن تفوقنا في شيء، ولن تعلمنا الفرق بين الظلام والضيء، واعمل معنا تنم قرير البال، ونغرقك بالعطايا والمال، ونخضع لك الصبايا ذوات الحسن والجمال،
- فقال إبليس وعلى الضالين آمين.
عند هذا الحد، وقد اختلط الهزل بالجد، نهضت منانة متعبة زعلانة، وتوقفت عن الحديث، ومشت في مهل وريث، مشية اللبؤة أخت الغندفر والليث.
وقالت نكمل القصة في القريب، ولكم عندي حديث غريب عجيب، عما دار وصار بين إبليس وعمار وجماعته الفجار.
(يتبع)
وبعد.. فهذه وقعة من أشهر وقائع الزمان، التي سارت بأخبارها شرقا وغربا الطائرات والسفن والركبان، فعرف بها الفرنسيس والألمان، وقبلهم أهل بابل والرومان، وهي أشهر من موقعة داحس والغبراء، ويعرفها كل من أكل خبزا أو شرب من ماء.
وكانت هذه الوقعة بين أهل صفاقس الغر الميامين، وأهل قفصة المساكين، وقد أسرنا فيها منهم الملايين، زقتلنا منهم المليارات، ودمرنا مساكنهم وأبدنا خضراءهم. وجاءت هذه الوقعة بعد أن هجانا شاعر قفصة الجنيدي طالب، جواب المشارق والمغارب، فقال وقلنا، وصال وصلنا، وانتهت الوقعة بأسره فهجا قفصة ندما على هجائه صفاقس. وفي ما يلي بعض ما كان بيننا وبينه من سجال، قبل أن يطاله منا الأسر والاعتقال.
بسم الله وتوكلنا على الله. ومن توكل على الله لم يخيبه، ومن رجا عفوه عفا عنه وغفر له.. وبعد. اعلم يا أيها أيها الصديق الجنيد أنك بقولك قد سحرتنا، وبجميل معانيك قد أبهرتنا، وسنرد لك الصاع صاعين، وقطرة الماء من فضلكم نغرقها في بئر من فضلنا أو في عين.. فانتظرنا إنا قادمون، ولخضراء قفصة مبيدون مستأصلون، قبل مغيب الشمس وقبل طلوع القمر، وعند عواء الرياح في خيام الأعراب وأهل المدر، ففروا إن استطعم وليس لكم منا مفر، تدوسكم جنودنا في صيف أو في يوم قر.. وغرضنا من ذلك طاهر نبيل، وفي الطهر عريق وأصيل، أن تنعم صفاقس وباقي الكائنات والبشرية، بالعيشة الهنية، والحياة الرضية..
فيا أيها الجنيد عافاك الله وواساك في مصيبة هي من القدر والقضاء.. مصيبة انتمائك لأرض جرداء، وسبخة كالحة تعيسة شوهاء، تحيطها بشكل شائه جبال لا حمراء ولا صفراء، تصيب من يعيش فيها بالبله والعمى، تصفّر فيها الريح حتى توهم صاحبها أنها يمكن أن تسيل فيشربها، ويحرقه الشمس فيراها كقرص الخبز فيتوهم لمسغبته أنه يأكلها، ويظن القمر من جوعه جبنا فيقضمها، فيزداد لذلك جوعه وعطشه، ويندحر مهموما خائبا حسيرا.
وإني، رغم عداوتك بالباطل لصفاقس وأهلها الميامين، لأشهد لك أنك شذذت عن قومك، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وأشهد بأنك في معانيك شاعر، جاءك الشعر صدفة، لم ترثه كابرا عن كابر، وإن شككنا في أصلك الشريف، وفي إتقانك للضرب بالزلاط أو الطعن بالرمح أو القطع بالسيف، فإنا نشك أيضا في انتسابكم لآل أبي طالب، لا لفهر ولا لأبيه من قبله غالب، والثابت عندنا أنكم تنتسبون لأبينا آدم، فأصلكم مثله من ماء وطين، يشاطركم في ذلك بوش وأوباما، وبن لادن أسامة، ومن ولد بعد الطوفان وقبل يوم القيامة.
فكيف تأتي لكم وحالكم هذه أن تفاخرونا، ونحن قد أصّل ابن عمنا فارس بلا جواد، بالدم قبل المداد، في كتابه "للعدى السيف والقرى للضيف" نسبتنا للأصل الشريف، فردّنا، بالحجة والبرهان، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، للسيدة فاطمة الزهراء بنت أمير الأنبياء، فسررنا لذلك أيما سرور، واعتراكم لفرحنا الهم والغم والويل والثبور، وبشركم الكهان والعرافون بعظائم الأمور، تأتيكم من صفاقس وقابس وباجة وتستور..
ألطف يا لطيف.. ألطف يا لطيف.. ألطف يا لطيف.
تأتيكم على هيئة ريح صفراء، لا غوث لكم فيها ولا ماء، فيها جيش لا يسمع حسيسه ولا يرى، يرفع أرضكم إلى رؤوس الجبال بل يكاد أن يبلغ بها السماء، ثم يكبها على وجهها من العلياء، فيصبح عالي قفصة سافلها، وسافلها عاليها، ويجعلها عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكر، ولات حين مناص.
وإنما يفعل بكم جيشنا ذلك لأنك ذكرت، غفر الله لك وتجاوز عن سيئاتك الكثيرة، صفاقس بسوء، وهي بلاد الماء والنور والضوء، ونسبتها للشح والتقطير، وما ذاك إلا حكمة من أهلها وفن في تصريف الأمور وتدبير، لا يدركه السوقة والعامة، وأهل الشقاء والطامة، ويعيه العاقل الحكيم الفهيم، من جرب شدائد الزمان، وكابد من الأهوال فنونا وألوان، وزحفت عليه طمعا قبائل العربان، من قفاصة ومغول وجرمان، فرد أهل صفاقس كيد الأعداء في نحورهم بالحكمة والسيف والعصا، فعاش منهم من عاش، وقضى نحبهم منهم من قضى.
وظلت العزة والمنعة فينا أهل صفاقس منذ قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، يرثها الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد. ولذلك نسبهم حسادهم للشح والتقطير، وهم في أعراسهم وولائمهم يشبعون الكبير والصغير، والغني والفقير، والعالم والغفير، ويفيض خيرهم فيبلغ الهند ويجاوز السند، ويشبعون أهل الصين على كثرتهم عددا، لكنهم يضنون عن جفاة الأعراب بالفلس والمليم، ولا يعطونهم الخبز اليابس الرميم، لأن من أطعمته اليوم خبزا بمرق، طمع غدا فيك، ومالك نهب، ورزقك سرق. والحكماء تقول من قديم الزمان، من عهد الفرس والروم واليونان: اتق شر من أحسنت إليه. وقد اتخذها أهل صفاقس حكمة دائمة، لا يخالفونها في كثير أو قليل، من عهد نوح وقبل عام الفيل.
وهل علمت أيها الجنيد أصلحك الله وتجاوز عن سيئاتك، وهي أكثر من قطرات الماء، أنه قد جاء في الإلياذة أن آلهة الشر قد خُلقت من تراب قفصة، وأن آلهة الخير خلقت من تربة الأولياء الصالحين من أهل صفاقس. وأرجع هوميروس انتصار آلهة الخير على آلهة الشر لبركة تربة صفاقس التي صنعت منها تلك الآلهة. وقيل إن تلك التربة أخذت من قرب جامع سيدي اللخمي الشهير في بلاد صفاقس.
وقال هوميروس في الأوديسا إن مردة الشياطين خلقوا من نار اشتعلت في رؤوس جبال قفصة ذات صيف حار. وذكر أيضا أن آلهة المصريين القدماء غضبت يوما من أهل قفصة فمسختهم هررة وفئرانا. ولذلك يقال "القفصي للقفصي نقمة"، ويقال أيضا "لا يصلح بين قفصيين متخاصمين سوى حكيم من أهل صفاقس"، والشواهد على صدق هذا أكثر من حب الرمل عددا.
ونحن مسلمون لا نؤمن بتعدد الآلهة، ولكننا أردنا ذكر هذا الأمر لتعلم، أيها الجنيد أصلحك الله ورعاك، أن أهل الحضارات القديمة والمعاصرة يقرون لصفاقس على قفصة بالفضل والسبق والريادة في كل الميادين.
وينسب لوزير المطاعم الإيراني الشهير السيد علي طابخ أكبر باذنجاني أنه قال في كتابه "أفخر أنواع الطعام وأجوده" أن أهل صفاقس يتميزون عن أمم الأرض جميعها بشربة الصبارس. وقال إنها شربة تأخذ بالألباب. وذكر أن أهل قفصة حاولوا تقليد الصفاقسية في هذه الشربة العجيبة، لكنهم لبعدهم عن البحر وانعدام السمك عندهم، أعدوها بلحم الضفادع وبلحم بوبريص، وقيل بلحم الزرزومية، وتنطق في بعض البلاد زلزومية وزمزومية. وقيل إنهم يأكلونها بلحم بوكشّاش. ولا يعرف في هذا القول الحق من الباطل. وإنما ذكرناه لأن الوزير أكبر باذنجاني قد ذكره في مصنفه القيم.
وأعلم أيها الجنيد، إن لم يصل إليكم العلم، ولم يبلغ أهل قفصة الورع والتقوى، أنه قد صح فيما رواه الإمام مالك بن نور الدين أصلحه الله وزينه باليقين، وأصلح به الأمة، وأزال عنها الوكسة والغمة، في كتابه ذائع الصيت "معجم الممالك والبلدان ووصف صفاقس بلد الأمن والأمان" أن قفصة كلمة حبشية قديمة، وهي تعني النكد والغصة، وأن أرضها لا تنتج إلا الفوسفاط والفصة، وأن آكل تمرها يصاب بالحكة وقد يعتريه انتفاخ البطن والبصة، وأنه قد سكنها أقوام سود، من مردة الجن من عاد وثمود، وقيل من بعض أهل اليمن المعروفين بأصحاب الأخدود، من هراطقة ويهود، من الذين عاشوا على حساب الأمم كالسوس أو كالدود.
وقد بلغنا أنكم ذكرتم أن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، قد قال في قفصة شعرا، وهي أهون عليه من ذلك. ومتى كان الأنبياء يقولون الشعر، فكيف تأتى لك أن تزعم ما لم تتحقق منه، وأن تقول منكرا من القول وزورا. أما نحن فإننا ننسب الشعر في درة المدائن وعروس البلدان مدينة الصلاح والفلاح: صفاقس الفيحاء، لعنترة وجميل وامرئ القيس وعمرو بن هند ولبيد والمتنبي والمعري وغيرهم كثر. وقد زاروا صفاقس فأعجبوا بها، وأكلوا فيها المريقة الصفاقسية التي تغنى بها المغنون، وعاشوا فيها زمنا طويلا.
والإمام مالك ابن نور الدين يذكر في كتابه الموصوف بالصدق واليقين أن سبعين ألف ألف شاعر توجد قبورهم في صفاقس، وأن بعضها صارت مزارات للغاوين، يأتونها من الهند والبرازيل والصين، يذكرون فيها الشعر والأدب، ويتكلمون فيها بلغات تشيب لتنوعها الولدان، ولا يوصل بينهم سوى الترجمان.
وقد قال المتنبي في شأن صفاقس وعجيب أمرها، وتنوع الناس فيها:
تجمّــَع فيها كل لِِسْنٍ وأمــــــــــــة **** فما يُفهم الحدَّاث إلا التراجـــــــــم
وفي أحد غزوات أهل صفاقس، التي سارت بذكرها الركبان، وصارت قصة تعاد على كر الدهور والأزمان، وكانت غزوة غزونا فيها قفصة والقطار، وقد أسرنا فيها ألف ألف قفصي، وقتلنا منهم عشرين ألف ألف.. قال المتنبي:
سقتها الغمام الغـــــر قبل نزولـ ـه **** فلما دنا منها سقتها الجماجـــــم
بناها فاعلى والقنا يقرع القنـــــا **** و موج المنايا حولها متلاطـــــــم
وقال أيضا يمدح الأسد الضرغام ابننا مالك ابن أبي مالك، ويصف فيها رؤوس القفاصة تتناثر تناثر أوراق الخريف تعبث بها الريح، ووصف فيها فرار أبطال قفصة من أمامه مذعورين ينشدون النجاة، والموت الزؤام فاغر فاه يكاد يلتهمهم، فقال:
وقفت وما في الموت شك لواقــف **** كأنك في جفن الردى وهو نائــم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمـــــــــة **** ووجهك وضاح وثغرك باســـــــم
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهـــى **** إلى قول قوم أنت بالغيب عالـــــم
ضممت جناحيهم على القلب ضمـــة **** تموت الخوافي تحتها والقـــــوادم
بضرب اتى الهامات والنصـر غائب **** وصار إلى اللبات والنصر قـــــادم
حقرت الردينيات حتى طرحتهــــــا **** وحتى كأن السيف للرمح شـــــاتم
ومن طلب الفتح الجليل فإنمـــــــا **** مفاتيحه البيض الخفاف الصــــــوارم
نثرتهم فوق الأُحَيدب كلـــــــــــــه **** كما نُثرت فوق العروس الـــــــدراهم.
وفي الختام أقول لك ردا على هجائك أهل صفاقس الغر الميامين ما قال الحكماء من قبل "إني وإن لمت حاسديّ فما أنكر أني عقوبـة لـهم". وأثني في هذا بقول المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص **** فهي الشهادة لي بأنـي كامل
وأضيف:
وكم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم **** ويكره الله ما تأتـون والكـرم
وأختم مع أبي الطيب المتنبي، حينما قال :
وللحساد عذر أن يشحوا **** على نظري إليه وأن يذوبوا
فإني قد وصلت إلى مكان **** علـيـه تحسد الحدق القلوب
وليعلم أهل صفاقس أنهم إذا رُموا من الخلف فإنه ما كان يحدث لهم ذلك إلا لأنهم دوما في المقدمة، وأن الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجر أما الفارغة فلا يُنظر إليها ولا يُلتفت.
ونسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا مع هذا القول فأكثره باطل، والصحيح فيه نادر وأكثره عاطل في عاطل، والصدق فيه قليل، والرياء فيه كثير، وإنما افتريت علينا أيها الجنيدي فافترينا عليك، واحدة بواحدة، والبادئ أظلم.
والسلام في المنتهى والختام على المظلل بالغمام، من زرع في الأرض الخير وعمها بالسلام، والسلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وصدق بنبيه، وكان للناس نافعا. فإنما هي جاهلية مذمومة، فليدعها من كان جادا في نصرة عشيرته وقومه بالباطل، ونسأل الله أن يتجاوز علينا لأننا إنما نمزح لكي نستمتع ونفرح، والله غفار الذنوب.
التوقيع
أمير البحار والمحيطات وصاحب الحظوة والشأن في صفاقس وسائر البلدان، وصاحب الرياستين: رياسة السيف والقلم
مولانا السلطان نور الدين ابن معاوية ابن أبي بكر عفر الله له ورضي عنه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق